تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصحاء، فقال: إن سيبويه استشهد بشعر بشار بن برد، ولم يقف بعضهم عند هذا

فاستشهد بشعر مسلم بن الوليد والحسن بن هاني. ورأى بعض أئمة النحو الاستشهاد

بشعر أبي تمام والبحتري والمتنبي ومنهم ابن جني والزمخشري والرضي. ثم

ذكر البغدادي من النثر المستشهد به القرآن الكريم، ونقل اختلافات كثيرة في

الحديث أصحها الاستشهاد بما كان رواته من أهل الصدر الأول قبل تدوين الحديث

في آخر عصر بني أمية إلخ.

وأقول: إن العرب الذين يعتد بعربيتهم، وينقل عنهم قولهم وكتابتهم بقوا إلى

أواسط القرن الثالث من الهجرة، فالشافعي وأمثاله من فقهاء العرب وأئمة اللغة

وعلية الكتاب والوزراء يعتبرون في كتابة رسائلهم ومؤلفاتهم عربا فصحاء، وقال

الإمام أحمد بن حنبل: كلام الشافعي حجة في اللغة. وسأل غلام ثعلب عن حروف

أخذت عن الشافعي مثل (مالح) فقال: كلام الشافعي صحيح. وقد صنف

الأزهري وهو إمام اللغة في عصره كتابا في إيضاح ما أشكل من مختصر المزني

وقال في ديباجته: (ألفاظ الإمام الشافعي عربية محضة ومن عجمة المولدين

مصونة) والجهة التي اعتبرنا بها كلام الشافعي عربيا محضا هي التي نعتبر بها

كلام الأصمعي ومعاصريه كأبي عبيدة وأبي محمد اليزيدي والكسائي وقطرب

وغيرهم. وكان الشنقيطي رحمة الله عليه يثق بفصاحة المأمون الخليفة العباسي

ويحتج في العربية بما صح عنه. ولا يبعد عن هؤلاء كثيرا فحول الكتاب من أهل

زمانهم كالحسن بن سهل وسهل بن هارون والجاحظ فهؤلاء وأمثالهم عرانين

الفصاحة، ولهاميم العربية، وزعماء العلم والكتابة والتصنيف. إليهم يرجع كل ما

وصل إلى الناس من علم وأدب وفقه وكلام، ولعل من الهين بعد هذا أن نقول: إنه

بانقضاء عصر هؤلاء الأعلام انقضى عصر العربية الفطرية، وفشت العجمة في

جميع الأمصار، واستحالت اللغة إلى صناعة من الصناعات، يتلاقى فيها العربي

والديلمي والرومي والبربري، فلا يصح لمن خلف من هؤلاء أن يضعوا في اللغة

شيئا جديدا، أو يجعلوه لفظا عجميا معربا؛ إذ ليسوا من أهل هذا اللسان، وإنما هم

حكاة له، ونقلة لأصوله.

ومن نظر في كتب المعرب والدخيل وجد أن كل ما اعتبر فيها معربا فهو إما

وارد في كلام العرب القديم، أو كلام الله الكريم، أو الأحاديث النبوية أو شعر أهل

العصر الذي وصفنا، أو رسائلهم ومصنفاتهم. يعرف ذلك كل من نظر في كتاب

سيبويه، وكتب الجاحظ، وكتاب الخراج لأبي يوسف ومدونة مالك وكتاب الأغاني.

وما يقع في كلام أهل الصناعة بعد هذه العصور البائدة من مثل: (الوجاق،

ولاردي، والسواري، والطبنجة، والصنجة، والسلاملك، والترابيزة،

والصالون) فليس من المعرب في شيء وما هو إلا أعجمي محض، لا يصح استعماله في كلام العرب، وإذن فلا يصح لنا أن ندخل كلاما أعجميا في اللغة

العربية ونزعم تعريبه؛ إذ لسنا أعرابا بالفطرة حتى نملك حق التعريب. وكما لا يجوز للفرنسي أو الطلياني أو الإنجليزي أن يزيد شيئا جديدا في اللغة اللاتينية

أو اليونانية. أو للهندي الحالي أن يحدث حدثا في السنسكريتية والفهلوية - لا يجوز

لنا بعد انقراض الأعراب بأحد عشر قرنا أن ندخل في لسانهم ما ليس منه. ولو جاز لنا ذلك في الألفاظ وهي أصل اللغة لجاز لنا بالأولى في التركيب

والأساليب لأنها هيئات للألفاظ وأحوال لها، وهي من اللفظ منزلة العرض من

الجوهر أو الفرع من الأصل، وكنا استرحنا من الإعراب الذي أضجر كثيرا من

متفرنجي زماننا، وجعلهم يتسخطون العربية ويتنقصون فضلها. وهو رأي لا

يعرج على مثله ولا يقول به إلا أهل الجسارة وممن لا يتصونون عن الشنعة ولا

يكترثون بسوء القالة.

وبعد، فما ورد من المعرب في القرآن الكريم وكلام العرب الجاهليين

والإسلاميين ليس إلا شيئا يسيرا من الكلام لا يحرج اللغة ولا يتهضمها، وما هو

بالإضافة إلى جميعها إلا كقطرة في بحر، أو حصاة في فلاة؛ إذ كل ما صح أنه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٨٧