تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فساروا شوطا بعيدا، ووضعوا الحجر الأول في نهضة اللغة، كتبوا وترجموا شيئا

كثيرا أبقته لنا الأيام دليلا على إخلاصهم ثم على مقدرتهم واستعدادهم، لم يتركوا

فنا من الفنون التي كنا مستضعفين فيها إلا كتبوا فيه ترجمة أو من عند أنفسهم.

وأما الثاني فهو صاحب الدولة المخلص في خدمة بلاده مصطفى رياض باشا.

وجد الأستاذ المرحوم الشيخ محمد عبده وتلاميذه ورجال العزيمة من نابغي

السوريين فقاموا بالنهضة الثانية. عهد إلى المرحوم إصلاح الوقائع المصرية

والإشراف على ما يكتبه أرباب الدواوين في محاوراتهم، فكان ذلك منبها لهم أن

يعتنوا بإصلاح ما يكتبون وتعلم ما يجهلون. ومن أكبر مساعد لتلك النهضة الجرائد

العربية على اختلاف مذاهبها ومشاربها، فهي التي رفعت من قدرها وساعدت على

رقيها بما كان يبذله أصحابها من الهمة في اختيار اللفظ والأسلوب،

سواء في ذلك فاضلهم ومفضولهم.

إذا دبت الحياة في جسم فإنها لا تقف عند غاية، فإن صاحبها دائما يرجو الكمال

وهو أبدا بعيد عن الأنظار، كذلك نحن الآن فإنا في بدء نهضة ثالثة يأخذ بيدها

ويشد أزرها ذو السعادة الوزير المخلص سعد زغلول باشا ناظر المعارف العمومية

في عهد مولانا وسيدنا أمير مصر عباس باشا حلمي الثاني، فهو مؤيد النهضة

الثالثة كما كان جده مؤيد النهضة الأولى.

تلك النهضة أن تكون اللغة العربية لغة تعليم وتعلم وكتابة وتكلم، ينبت فيها

الصغير ولا يخل بوزنها الكبير، والأعوان اليوم أكثر منهم أمس، فإن البذور التي

غرست قد أثمرت في كثير من الأنفس الطيبة، فصارت من أنفسها تطلب الغايات

وترقب الكمال والمعونة من مثل هؤلاء أعظم.

هذا المطلوب أيها السادة عزيز المنال وعر المسلك، فلا بد للوصول إليه من

عزيمة صادقة يقودها العقل الصحيح لتهيئة الطريق، حتى لا تلتوي علينا المقاصد

فنظن أنفسنا سائرين للأمام ونحن للخلف راجعون. ننظر أمامنا فنجد عقبات كثيرة

لابد أن نقدرها قدرها حتى يمكننا تذليلها، عقبات كثيرة لست في معرض إحصائها

الآن؛ لأني أقتصر على عقبة واحدة جعلت مجال البحث بين أيديكم.

بيننا محدثات كثيرة تصل بلادنا على أيدي المخترعين الذين قدروا بجدهم أن

ينتفعوا من كل ما خلقه الله سبحانه للإنسان، ولم يكن آباؤنا قد عرفوها حتى يعدوا

لها العدة من الأسماء المبينة لمسماها، فنقف أمامها مبهوتين لا ندري كيف نعبر

عنها، فإذا كتبنا وقف بنا القلم عندها حائرا، فمنا من يكتب اللفظ الذي وضعه

المخترع ويحيطه بقوسين علامة على أنه ليس من لغتنا أو بعبارة أوضح علامة

على نقص اللغة ونفورها من كل جديد، ومنا من يحتال لذلك فيؤدي المعنى بكلمة

وضعها العرب بإزاء مسمى آخر، وما يجده الكاتب يجد مثله المتكلم.

لا يتفق الناس على شيء يتبعونه، وهذا نقص عظيم يجب أن نتلافاه وأن

نتفق على ما نستعمله؛ لذلك وضعنا موضع البحث هذا السؤال: ما هي الطريقة

المثلى للدلالة على المحدثات؟ أتعريب ألفاظها التي يضعها لها محدثوها وصقلها

حتى تكون موافقة للهجات العرب؟ أم التوسع في بعض الألفاظ العربية ووضعه

بإزائها.

وقبل الإفصاح برأي في هذه المسألة، أبين لحضراتكم كيف كان العرب

المتقدمون يفعلون إذا عرض عليهم شيء محدث من طريق غيرهم.

ولا أريد أن أتوسع في البحث إلى ما وراء أسماء الأجناس؛ فإن اللغة العربية

عندها من الثروة في الأسماء الدالة على المعاني ما لا تحتاج معه إلى استعارة من

غيرها، أما أسماء الأجناس فإنها بالضرورة تتجدد بحدوث مسمياتها، والعرب كما

تعلمون كانوا فقراء جدا من هذه المواد، فإنهم أهل بادية وحاجات المتبدي قليلة؛ إذ

ليس أمامه إلا سماؤه وأرضه وبهمه وسلاحه ووجدانه، فمن المعقول أن يتفنن في

وضع ما يدل على أجزاء ذلك من الأسماء، أما أدوات الحياة مما تخرجه الصنعة

وتبدعه الفكرة فهو منها بعيد، وقلما يتلقى باديهم شيئا منها عن بلاد أخرى؛ لأنهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٦٩