أو ما هو بمعناه - فجاء الأستاذ المرحوم إلى القاهرة وجرى بينهما كلام أدى إلى
اختلافهما في الرأي اختلافا شديدا، فأبى الفقيد إلا أن ينفذ رأيه أو يعتزل عمله كله
في الجمعية، وتم له ما أراد ولم يكن قصده إلا أن يستقيم أمر المدارس على ما
اعتقده أفيد لإدارتها) اه.
أما حقيقة المسألة التي أشار إليها المؤيد، فهي أن بعض المؤسسين لمدرسة
المحلة بما تبرعوا به من المال لهم أولاد تجاوزوا السن التي يشترطها قانون مدارس
الجمعية الخيرية في التلاميذ الذين يدخلونها. وهم ما بذلوا المال إلا رغبة في تعليم
أولادهم في بلدهم أولا وبالذات ثم المساعدة على تعليم الفقراء ثانيا وبالعرض فلما
عهدوا بإدارة المدرسة إلى الجمعية كما هو القصد الأول من تأسيسها أراد حسن باشا
أن لا يقبل أولئك الأولاد في المدرسة التي أسسها آباؤهم لأن اتباع النظام والتزام
القوانين عنده من الأمور الوجدانية التي لا يناقش فيها، كما علم ذلك مما كتبناه في
أخلاقه رحمه الله. وكان من رأي الأستاذ الإمام رضي الله عنه أن يقبل أولئك
الأولاد لأن رأيه في القوانين أنها وسائل لدفع المضار وحفظ المصالح وإقامة العدل
فمتى عرض من الحوادث ما يكون التزام القانون فيه مخلا بالمصلحة أو منافيا للعدل
وجب أن يعمل في الحادثة التي هذا شأنها بما يقوم به العدل وتتحقق به المصلحة
وهذا ما عناه حسن باشا عاصم نفسه بقوله في تأبينه أنه كان في القضاء ما يعبر عنه
الإفرنج (بقاضي العدل والإنصاف) وأقول والشيء بالشيء يذكر أنه كان قد وشي
به إذ كان قاضيا للمستشار القضائي بأنه يخالف القانون عمدا في بعض أحكامه، فسأله
المستشار عما قيل فأجابه: هل القانون وضع لأجل العدل أم العدل وضع لأجل
القانون؟ فقال: بل القانون وضع لأجل العدل. فبين له حينئذ القضايا التي لم يلتزم
فيها نص القانون وأنه لو التزمه لخرج عن العدل وترتب على ذلك من المفاسد كيت
وكيت. فشكر له المستشار ذلك.
وكان على هذا الاختلاف بين الصديقين في هذا الأصل أو المبدأ كما يقال قد
حدث أن الأستاذ أمر بشيء مخالف للقانون على سبيل الاستثناء لأجل المصلحة
العارضة فأنفذه حسن باشا ممتعضا ثم قابل الأستاذ وقال له: إنني أنفذت أمرك الذي
كتبت إلي به لأن أمر الرئيس متى صدر بالفعل وجب تنفيذه كيفما كان وإلا فلا معنى
للنظام ولا للرئاسة، ولكنني أرجوك أن ترجي ما تراه من مثل هذا إلى أن نجتمع
ونتذاكر فيه. فلما عرضت مسألة مدرسة المحلة خاف حسن باشا أن يعد رئيس
الجمعية آباء أولئك الأولاد أو يكتب إليه أمرا بقبولهم بطريق الاستثناء، وذلك صعب
عليه جدا ولا بد من تنفيذه متى أمضاه الرئيس. فكتب إليه يرجوه أن لا يبت شيئا في
المسألة لا بالأمر ولا بالوعد بل يرجئ ذلك إلى الاجتماع. وكان الأمر كذلك فاجتمع
مجلس الإدارة وتناقشوا فيها وكان من رأي بعضهم تغيير ما فرضه قانون المدارس في
السن فعلم حسن باشا بذلك، فتشدد رحمه الله تعالى في المحافظة على القانون وعدم
قبولهم وكتب إلى الأستاذ الإمام كتابا يستقيل به من إدارة المدارس إن تغيرت مادة
تحديد السن في القانون. وبعد طول المناقشة تقرر بأغلب الآراء تنفيذ رأي الرئيس
وهو الأستاذ الإمام بقبول أولئك الأولاد بطريق الاستثناء وإرضاء الوكيل ومدير
المدارس بوعد المجلس له بأن يكون هذا الاستثناء قاصرا على هؤلاء الأولاد لا
يتعداهم إلى غيرهم ولا يطلب إدخال غيرهم باستثناء آخر.
في ذلك اليوم الذي قرر فيه مجلس إدارة الجمعية ما ذكر ذهبت إلى مكتب
الجمعية لمقابلة الأستاذ الإمام عند خروجه فرأيته خارجا مع بعض أعضاء المجلس
وعلمت ما تقرر. ولما كتب المؤيد في ترجمة حسن باشا ما كتب كدت أشك فيما
أعلم فراجعت درويش بك سيد أحمد أمين الجمعية (سكرتيرها) منذ وجدت فقلت له:
هل رأيت ما كتب المؤيد في ترجمة المرحوم حسن باشا؟ قال: نعم. قلت له: إن