تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحقوق، وبذلك تيسر للحكومة إصلاح المحاكم بقدر الإمكان.

ومن خدمة حسن عام للقضاء وضع مشروع المحاكم الجزئية، ثم السعي مع

صديقه على فخري في إنفاذه عند سنوح الفرصة لهما بثقة السير سكوت المستشار

المحب للإصلاح بهما. وله في ذلك أعمال أخرى ليس من غرضنا تقصيها. وكان

للسير سكوت من الإعجاب بعلمه واستقامته وقدرته على العمل ما أحله عنده في

أعلى منازل الثقة والكرامة. وأراد ترقيته فلم ترض الوكالة البريطانية بذلك، بل

حاولت أن تدليه لاتهامها إياه بمناصبتها، فعرقلت عليه السياسة الاستمرار في عمله

النافع في المحاكم، وذلك شأنها ما دخلت في عمل إلا وأفسدته، كما كان يقول

الأستاذ الإمام. وما كانت تهمة حسن عاصم بالسياسة محض اختلاق، ولكن ربما

كان يبالغ فيما ينقل للوكالة عنه أو كانت الوكالة تنظر إلى الأمور بعين الاحتياط،

فتراها أكبر مما كانت عليه.

وكانت في البلد حركة وطنية قبلتها بل روحها الأمير الجديد (عباس حلمي

باشا) تبعثها الآمال وتحدو بها الأقوال، حتى تزجيها إلى بعض الأعمال التي كان

يظن أنها وسائل لإزالة الاحتلال والتمتع بكمال الاستقلال، وكان أكثر أهل الفهم

والرأي من رجال الحكومة وغيرهم مغرورين بتلك الحركة، ولم يسلم من شيء من

ذلك حسن عاصم على أناته وبصيرته، وكان صديقه ورفيقه في العمل علي فخري

بك أشد منه إعجابا بل تحمسا بها، بل أقول: إنه لم يسلم من الغرور بتلك الحركة

أحد من أهل الرأي والظهور في البلد إلا ما دون عدد أنامل اليد الواحدة.

قد يظن بعض الشبان اليوم أن في البلاد حركة وطنية قوية لم تكن من قبل،

وما ذلك إلا لأنهم لا يعرفون شيئا عن الحركة التي كانت من نحو خمس عشرة سنة

إذ كان الرجال يجرون عربة الأمير بأيديهم، وإذ كان الأمير يعود من سياحته

الصيفية فتكتظ الإسكندرية بمئات الألوف للقائه، حتى قيل: إنه دخل في

الإسكندرية في يوم واحد ثمانون ألفا من أهل الأرياف. وما ذلك إلا لأن السلطة

الأجنبية ثقيلة على النفوس البشرية تنفر منها بالطبع، فإذا آنست بصيصا من الأمل

بالتملص منها على يد من تثق بهم من أبناء جنسها السياسي أو الديني، فإنها لا تعتم

أن تعشو إليه وتعول عليه، وقد كان الشعب يرى من الأمير الجديد منذ تولى ذلك

البصيص، بل كانت ترى من حاله وتسمع مما ينثر من درر أقواله، ما يجعل ذلك

البصيص نورا ساطعا يملأ الجوانح أملا، وينفر بالنفوس إلى الجهاد الوطني خفافا

وثقالا، فلا عجب إذا كان مثل حسن عاصم وهو في شبابه ممن كان يظن أن في

تلك الحركة بركة، لا سيما وهو مطلع على ما كانت تدبره فرنسا، وما تعد به

مصر وتمنيها.

غرضنا من هذا البيان ومن سائر ما نكتبه عن الرجل أن تكون العبرة بسيرة

رجل نابغ منا مبنية على أصل ثابت، ورواية صحيحة في زمن لا يكتب فيه عن

رجال العصر إلا أصحاب الصحف السياسية في الغالب، وهم لا يبينون من الحقائق

إلا ما تسمح لهم به السياسة على الوجه الذي تحبه وترضاه.

فليعلم الشبان المتحمسون في الوطنية الذين تهيجهم نغمات المتغنين بأشعارها،

والضاربين على أوتارها، أن هذا النابغة الذي يفتخر الوطن به قد تحمس في شبابه

بالسياسة أياما كانت دواعي التحمس فيها أوفر، والآمال بالنجاح أقوى، ثم

استقر رأيه بعد الاختبار على أن العاملين للوطن والمخلصين في خدمة الأمة، يجب

عليهم أن يتنزهوا عن الشوائب والتحمسات السياسية والتهيجات الطبيعية، وأن

يلتزموا السكينة والروية، ويجعلوا عمدتهم إتقان الأعمال دون الغرور بزخرف

الأقوال والانخداع بالدعاوي العراض الطوال؛ لذلك كان يعمل ليله ونهاره من غير

لغط ولا دعوى، ولا تذمر ولا شكوى، بل كان ذلك دأبه منذ كان.

كان السير سكوت المستشار المصلح المخلص على ما هو مشهور بين جميع

العارفين، قد وعده بأن يجعله نائبا عموميا بعد أن جعله الأفوكاتو العمومي، ولكن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٣٩