أن الأمة لم تعد طور الطفولية في حياتها الاجتماعية.
والحزب الحر مؤسسه محمد وحيد بك وهو رئيسه الداعي إليه والمدافع عنه
بمساعدة صديقه محمد نشأت بك الذي كان من حاشية الأمير (معيته) وهو كاتب مجيد
بالفرنسية، وليس لهذا الحزب جريدة خاصة كغيره وإنما يكتب عنه محمد بك
في المقطم ومحمد نشأت بك في بعض الجرائد الفرنسية كالبروغريه، ولم يدخل فيه
أحد من أكابر البلاد، وأفراده أقل من أفراد سائر الأحزاب، وهو يمتاز بكثرة الحث
على مسالمة المحتلين والثناء على ما يستحسن من أعمالهم في البلاد، فهجيراه هذه
الكلمة (سلامة المصريين في مسالمة المحتلين) فهو لا يخالف غيره من الأحزاب إلا
في هذا، وهو خلاف قولي؛ إذ لا يقول حزب من الأحزاب بوجوب مقاومة المحتلين
ومعاداتهم بالعمل، وإنما قصاراهم أن يبالغوا في انتقاد ما يرونه منتقدا من أعمالهم،
ويكبروه ويسكتوا عن الثناء على ما يرونه حسنا نافعا أو يصغروه. فذاك يمدح ولا
يذم ولا ينتقد، وهم يذمون وينتقدون، وقلما يمدحون ولا خلاف في سائر المطالب
الأساسية.
وأما حزب الإصلاح الدستوري فمؤسسه الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد
وهو رئيسه، وقد اختار له من الأعضاء من يجمعهم الرأي وترشدهم الرؤية،
ويثبتهم الركن الركين الذي يأوون إليه، فقانونه أوضح قوانين الأحزاب، ورجاله
أدهى رجالهم، والشيخ علي نفسه أبعد المشتغلين بالسياسة المصرية غورا وأشدهم
حزما وأحذقهم في الدخول في الأمر والخروج منه. الفرق الحقيقي بين هذا الحزب
وغيره من الأحزاب التي تشاركه في الخدمة العامة للأمة أنه مؤيد لسياسة الأمير،
لا يتحول عنها في حال من الأحوال، يتهم إذا اتهمت، وينجد إذا أنجدت، ويوالي
من والت، ويعادي من عادت، فهو حزب طبيعي متين والرجاء في ثباته وبقائه
أقوى من الرجاء في سائر الأحزاب بحسب ما عليه مصر من الحالة الاجتماعية
والسياسية الآن، ولا دليل على تغيرها في زمن قريب.
وما صرح به هذا الحزب في قانونه من كون طلب المجلس النيابي أصلا من
أصوله، لا ينافي تأييده لسياسة الأمير صاحب الحكم الشخصي، فإن طلب المجلس
النيابي مرضي للأمير أيده الله بتوفيقه، كما علم من حديثه المشهور مع مكاتب
جريدة (الطان) الفرنسية، بل لا يبعد أن يكون هو أول من فكر بوجوب طلب الأمة
له كما يقول بعض العقلاء.
وأما الحزب الوطني فمؤسسه الآن مصطفى كامل باشا صاحب جريدة اللواء،
وهو رئيسه، وهو جزء من الحزب الوطني الذي كان موجودا بالقوة أو بالفعل من
قبل على ما بيناه في صدر هذا المقال، والقسم الآخر من ذلك الحزب هو حزب
الإصلاح الدستوري. والفرق بين هذين الحزبين على ما أرى وهو رأي يوافقني عليه
كثير من العقلاء هو أن حزب الإصلاح الدستوري يجمعه الرأي وبه يعمل،
والحزب الوطني يجمعه الإحساس والشعور وبه يعمل، وإن شخص صاحب جريدة
المؤيد ليس ركنا من أركان الحزب الأول وإن كان قطبه وأقدر العاملين فيه ولكن
شخص صاحب جريدة اللواء ركن من أركان الحزب الآخر مقصود بالذات منه،
ولذلك اتفقوا على أن يكون رئيس الحزب ما دام حيا بلا شرط ولا قيد. ويظهر لنا
أن المعجبين بالحزب الوطني أكثر عددا من المعجبين بغيره من الأحزاب؛ لأن منهم
فيما يقال أكثر تلاميذ المدارس والخائضين في السياسة من العامة وذلك معقول؛ لأن
هؤلاء الذين يتبعون داعي الشعور ويخضعون لسلطان الوجدان ويحبون الغلو أكثر
ممن عداهم. وقد سلكت جريدة اللواء طريقة تحريك الوجدان وتهييج الشعور
الوطني بعناية عظيمة تناسب الاستعداد الغالب على الشعب. ويظن أن غرض
صاحبها من ذلك ومن نشر الدعوة إلى حزبه في الأرياف؛ هو أن يستميل رأي
السواد الأعظم إلى نفسه، حتى يكون زعيما حقيقيا إذا دعا إلى شيء تؤيده الأمة
بالمال والحال ... وادعاؤه هذه الزعامة من قبل دليل على استعداده لها، فإننا قد