أعجبوا بذوق صاحب الدعوة ورب الدار، فيما على المائدة من تنسيق الرياحين
والأزهار، واختيار أنواع الفاكهة والثمار، مع حسن نظام الدار، وما يزينها من
تألق الأنوار، فإنه جلب إليها صنوف الفاكهة السورية كالعنب الزيني والزعرور
اللبناني وغير ذلك، علما منه بأن المحتفل لأجله ونحو نصف المدعوين وهم سوريون
يحنون بذلك إلى ما ألفوا في سن الصبا، وأن سائر المدعوين يسرون منه بجدة
الطريف، وما زال الإنسان يحن إلى غير المبذول المعروف.
مكثوا نحو ساعة ونصف يمزجون أطايب الطعام بأطايب الكلام، ويجمعون
بين أحاسن الفاكهة وأحاسن المفاكهة، ثم طافت القناني على الأكواب تترعها بالماء الغازي (الغزوزة) الممزوج بأحلى الشراب، فأكلوا هنيئا مريئا، وشربوا
حلالا طيبا، وبعد الطعام قام صاحب الدعوة خطيبا مرحبا بالقوم ترحيبا، فألقى
الخطبة التي نشرناها في هذا الجزء من المنار، وزاد عليها نحوها من عقائل
الكلام ورقائق الأشعار.
وههنا أقول: إن إسماعيل بك عاصم قد اعتاد ارتجال الخطب ولم يتعود
تأليفها وحفظها ثم تلاوتها - كما يفعل كثير ممن يدعون الخطابة - فضلا عن
كتابتها وتلاوتها في الورق. ولكنه في هذه المرة خالف عادته وكتب الخطبة التي
نشرناها وطبعها ليوزعها على من يحضر الاحتفال ولكنه غلب عليه ما تعود
فألقاها بالمعنى غالبا وزاد فيها ما فتح عليه ارتجالا، وكان مما زاده الثناء على
هذا العاجز بأكثر مما في الخطبة فأخجلني ذلك جدا.
قمت بعد إتمامه ما جاد به لأشكر له ولإخواني الحاضرين فضلهم وأقول شيئا
يناسب المقام فأوحى إلي سلطان الخجل الذي كان يحكم فى وجداني حكما استبداديا لا
طاقة لي بدفعه أن كل ما يمكن أن أقوله من الشكر أو الكلام في الإصلاح والعلم فهو
يتضمن الثناء على نفسي. وارتج علي - أو كاد - حتى لم أجد من القول إلا الاعتذار
عن الشكر بالعجز عنه إذ لم أوت جراءة الخطيب وطلاقته، وعن الكلام في
المسائل العلمية والأدبية بأنني أفتح عيني فلا أرى أمامي إلا العالم النحرير، أو
الكاتب البارع في التحرير، أو الفيلسوف المدقق، أو المؤرخ المحقق، فماذا
عساني أفيد هؤلاء الفحول، وهم أعلم مني بكل ما يمكن أن أقول؟ قلت: ولو
أنهم في مجتمع عظيم من سائر طبقات الناس لكان يتيسر لي أن أصرف بصري
عنهم، وأخاطب بما يفتح على غيرهم. فقبلوا بكرمهم العذر وأعجبهم الاعتراف
بالعجز، ولكنهم لتواضعهم عدوه من التواضع.
ثم قام يعقوب أفندي صروف الدكتور في العلم والفلسفة ومحرر مجلة المقتطف
المفيدة فألقى خطابا مفيدا افتتحه بقوله: إنه عند ما قدم السيد رشيد رضا إلى هذه
الديار كتب إلى بعض أهل العلم (وذكر اسمه) كتابا يقول فيه أنه قد ظعن إلى
مصر عالم واسع الاطلاع قادر على البيان والإفصاح عن علمه، حر لا يخاف في
إبداء ما يعتقد شيئا. فلما اطلعت على العدد الأول والثاني من المنار جزمت برأي
قلته وكتبته بعد ذلك غير مرة وهو أن إخواننا المسلمين سينظرون في المستقبل إلى
صاحب المنار وكذا إلى المرحوم المفتي (يعني الأستاذ الإمام) كنظر النصارى في
أوروبا إلى لوثير وكلفن.
ذلك أيها السادة؛ لأن الدين له أعظم تأثير في الأحوال الاجتماعية، فما من
مدنية قامت في العالم إلا وكان أساسها الدين. إننا لا نبحث في أصول الأديان لأننا
كلنا نعتقد أنها من الله فهي فوق البحث ولكن فهم الناس للدين هو الذي يصدهم عن
المدنية أو يسوقهم إليها، فقد كان أهل أوربا يفهمون الدين المسيحي فهما حال بينهم
وبين العلم والمدنية عدة قرون. وبعد أن قام فيهم لوثير وأنصاره بالإصلاح الديني
تغير فهم الناس للدين تغيرا كان مبدأ لمدنيتهم الحاضرة. وقد كان العرب من قبل
يفهمون الإسلام فهما دفعهم إلى المدنية والعلوم، ثم انقلبت الحال وصار المسلمون
محتاجين إلى إصلاح يجمع بين الدين والمدنية. إن فلانا هو الذي أخذ على نفسه