تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل﴾ (النحل: 118) بعد الآية

التي نحن بصدد الكلام عليها بقليل، وقد كذبوه كما أخبر، فما ذكرناه هنا وهناك

يدل على أن تفسير الآية هكذا: وإذا أتينا بحكم في الشريعة الإسلامية بدل حكم في

الشرائع السابقة ووضعناه مكانه قالوا: إنما أنت كذاب تختلق الأحكام وتنسبها إلى

الله ... إلى آخر الآيات.

أما تفسيرهم لهذه الآية وآية (ما ننسخ) فهو يخالف السياق في كل منهما،

وينافي قوله تعالى ﴿واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته﴾ (الكهف:

27) الآية.

والخلاصة: أن القرآن لا نسخ فيه مطلقا. أما السنة القولية (الأحاديث)

فبعضها نسخ بالقرآن، وبعضها الآخر نسخ بالأحاديث الأخرى. وعندنا أنه لم يبق

منها شيء يجب العمل به غير موجود في القرآن؛ لأنها لم تكن إلا شريعة وقتية

تمهيدية لشريعة القرآن الثابتة الباقية، ولذلك كانت قولية نهيت الصحابة عن كتابتها

ولم يعاملها النبي عليه السلام ولا أصحابه بالعناية التي عومل بها القرآن؛ لتزول

من بين المسلمين وتندثر [2] فلا يعملون بها. كما بينا ذلك في مقالات لنا سبقت في

المنار. وإن أنكر علينا منكر ونسبنا للمروق، قلنا له:

(1) إذا كان نسخ القرآن بالسنة غير جائز، كما هو مذهب الشافعي.

(2) وإذا كان تخصيص عموم القرآن بها لا يجوز، كما هو مذهب داود

وأهل الظاهر والخوارج.

(3) وإذا كان العمل بالظن مذموما في القرآن الشريف. وكل ما ورد

فيها من الأحكام ظني بإجماع علماء الحديث؛ لأنها أخبار آحاد. إذا كان كل

ذلك مسلما به بين المسلمين بعضهم أو جميعهم، فأي شيء خالفت فيه الإجماع

أو ابتدعته، حتى أرمى بالمروق؟

أنا لا أنكر ما للأحاديث من الفوائد العلمية أو التاريخية أو اللغوية أو الأدبية،

ولكن كل ذلك لا يوجب العمل بها على المسلمين، ولا يلحقها بالقرآن الشريف.

الدين الذي يكفر منكره شيئان: القرآن وما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛

لأن إنكار المتواتر مكابرة وجحود، فلا يجب التعويل إلا عليهما، ولا الرجوع إلا

إليهما.

﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ (النساء: 59) والرد

إلى الله يكون بالرجوع إلى كتابه، وإلى الرسول بالرجوع إليه في حياته، وإلى ما

أيقنا أنه منه بعد وفاته. ولم يقل القرآن إلى من ظننتموه الرسول أو ما حسبتموه صدر

منه، فلا يمكن الإيقان إلا بالمتواتر أو الدليل العقلي.

لم يتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله إلا القليل الذي لا شيء فيه

من أحكام الدين؛ لأن الله أراد أن تكون سنن الأقوال شريعة زائلة. أما سنن

الأعمال المتواترة فقد أراد الله أن تبقى بين المسلمين؛ لإيضاح الكتاب ولتصوير ما

أراده بالفعل ككيفية الصلاة والحج؛ لأن الإيضاح بالعمل أبلغ من كل قول. ولذلك

أجمل القرآن الكلام في هاتين المسألتين؛ اكتفاء بعمل النبي صلى الله عليه وسلم لهما

بين جماهير الناس الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب. وهما مما يحسن

إتيانه في الجماعة. بل لا يصح إتيان أحدهما (أي الحج) إلا فيها. فلا خوف

عليهما من الضياع أو النسيان. ولا يجوز أن يتفق المسلمون على تحريفهما عن

وضعهما، فقد بلغنا - ولله الحمد - من التواتر ما يمنع كل ذلك.

الحق أقول: لا يمكن للمسلمين أن يرتقوا ما داموا جامدين على الأحاديث،

(وقد انقضى زمنها) كلفين بالروايات، وهي ممتلئة بالأكاذيب والأوهام والخرافات.

وهي أعظم سبب ضلال كل أمة في عملها واعتقادها.

ألا فلنحارب الترهات، ولنقض على الضلالات، ولنمت على ديننا: كتاب

الله وما بين منه بالسنة العملية المتواترة، فلا نحيا إلا بهما في الدنيا والآخرة.

(تذييل)

ذكرنا في الصفحة 913 من المجلد التاسع من المنار ملخص معاملة النبي صلى

الله عليه وسلم وأصحابه للأحاديث. ونذكر الآن ملخص آراء أئمة المسلمين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٨٩