بوفاة النواب محسن الملك الناظم الاعزازي لمدرسة العلوم الكلية في عليكره.
فوجلت منا القلوب لهذا النبأ العظيم والرزء الأليم الذي أصاب المسلمين
عامة في ذلك العقل الحكيم، والقلب الرحيم، والعلم الواسع، والتدبير النافع،
والقلم الكاتب، والرأي الصائب، وأصاب صاحب هذه المجلة بصديق صادق،
ومحب مخلص. وإنني أكتب هذه الكلمات لأحشرها في المجلة، وقد تمت
موادها بعد حذف شيء مما جمع منها، وإن لنا لعودة إلى الكلام عن هذا الرجل
العظيم.
وعسى أن يمن علينا الدكتور ضياء الدين أحمد بترجمة حافلة، له رحمه الله.
***
(الرد على فريد أفندي وجدي)
قد علم قراء المنار أننا ما تصدينا للرد على ما يكتبه محمد فريد أفندي وجدي
إلا لأنه يتكلم في أصول الدين وفروعه بغير علم (إلا ما يقتبسه من المجلات
والجرائد، وبعض الكتب العربية والفرنسية التي ينظر فيها عند الحاجة) وإنه لما
رأى ذلك فزع إلى جريدة اللواء، فأوسعنا فيها سبا وشتما وتهديدا ووعيدا، ومزج
ذلك بشيء من المغالطة، جعلها كالرد لما انتقدنا به كلامه في فلسفة التشريع.
ولكنه رأى أننا رددنا هذه المغالطة ردا محكما لا يقبل المراء، وأننا لم نبال
بتهديده ووعيده بأنه سيتتبع سقطات المنار، حتى لا يدعنا نرفع رأسا! بل أظهرنا
له السرور بتصديه لنقد المنار (إن كان يقدر على ذلك) لأن النقد علينا ضالتنا
التي ننشدها دائما، فهددنا وتوعدنا في مجلته بأنه قد كتب إلى كثير من علماء
الدين يطلب منهم الرد علينا، وأنه سيطبع ما يرد عليه من ذلك متى كثر في
كتاب ويوزعه، كأنه موقن بأن سيجيبونه إلى ما طلب!! وجعل ذلك خاتمة لمقالة
في السب والشتم والدعوى والتبجح، استغرقت أربع ورقات؛ سماها الدرس الأول،
وقال: (وإني لن أزال ألقي عليه من هذه الدروس ما دام لم يعرف قدره، حتى
يفيق من هواه، ويفيء إلى أمر الله) !! ، ويعني بأمر الله - فيما يظهر - ترك
نصيحته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإنما أمر الله بالتناصح والتواصي
بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بترك ذلك. وما رأيت أحدا من
العقلاء اطلع على كلامه هذا، أو على مقالاته في اللواء، إلا وقال: إنه أهان بها
نفسه إهانة لا يستطيع أن يبلغها منه الأعداء، وإنها أشد عليه من نقد المنار لكلامه
وكأن بعض محبيه بين له ذلك، ونصح له بأنه إذا لم يستطع مقابلة المنار إلا بمثل
هذه الدروس التي هي تبجح وإطراء لنفسه وإزراء بمناظره، فالسكوت أجدر به
وأحفظ لكرامته ولعله يسكت المنار عنه، فكتب إلينا ما يأتي:
مصر في 18 - 9
سنة 1907
إلى حضر الشيخ رشيد:
أرجوكم أن لا ترسلوا إلي المنار؛ مادمتم تسبوننا فيه، فقد عزمت أن لا أرد
عليكم، ولا يتم عزمي هذا إلا إذا ابتعدت عن كل ما يثير نفسي! ولو كنت أعلم
أن فيما تقولون ظلا من الحق والصدق، لقرأته صاغرا. ولكنكم اتخذتم اليوم خطة
أنتم أعلم بمصير السالكين فيها. وقد تكلفت كتابة هذا الخطاب إليكم إبقاء على
مجلتكم من الرد بالبوستة.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاتبه
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... فريد وجدي
فلينظر أهل الفهم والعقل إلى هذا الكلام، وليعجبوا من قوله - وكله مواضع
عجب - (ولو كنت أعلم أن فيما تقولونه) ... إلخ، فهل يستطيع أحد من خلق لله،
أن يحكم على قول يقال في المستقبل، بأنه ليس فيه ظل من الحق والصدق، إلا
إذا كان موقنا بأنه يعلم الغيب، وأنه معصوم في كل ما يقول ويكتب؟
لقد كان مما قلته: إن موضوع علم الحديث: كل ما يتعلق بالنبي صلى الله
عليه وسلم من الأقوال والأفعال والصفات ... إلخ، وأنه مخطئ في جعله موضوعه
الأقوال فقط. ومنه تخطئته في قوله: إنه لم يصح عند البخاري إلا كذا حديثا، إذ
نقلت عن البخاري نفسه أنه صح عنده أكثر من ذلك. فإذا كان أعلم بما صح عند