المتعاقدين مع مراعاة مذهب من قبله، وقد تكون الشروط الأولى التي التزموها
ورضوا بها لموافقتها المصلحة، باطلة عند القاضي الأخير، فتفسد المصلحة على أحد
المتعاقدين أو كليهما. ومما يدخل في هذا الباب انتقال المتعاقدين أو الشريكين من بلد
إلى آخر يخالف مذهبه مذهب الأول. ومثل هذا مما صرحت القوانين الأوربية
بحكمه.
(ج) هذا مما يرد على المسلمين وفقههم، ولا يرد على أصول الإسلام نفسه.
وهي التي نلتزم في المنار بيان موافقتها لمصلحة الناس في كل زمان
ومكان، إذا أقيمت على وجهها دون هذا الفقه. وبيان ذلك يعلم مما تقدم في المسألة
السابقة من أن القرآن وكل ذلك إلى أولي الأمر يستنبطونه بالمشاورة بينهم، لا
يلتزمون في ذلك إلا الأصول المنصوصة المجمع عليها من إقامة ميزان العدل،
ودرء المفاسد وحفظ المصالح، وهذا لا يمكن مع التقليد الذي هو التزام الأمة مذهب
أحد أفراد العلماء السابقين، ولذلك ننحي دائما على التقليد، ونقول: إنه والإسلام
ضدان. والحكم بما يضعه أولو الأمر على ما ذكر ليس تقليدا، بل هو عين الاجتهاد
ولا يرد عليه ما يضعه جماعة منهم في مملكة، ويراعيه الناس في عقودهم
ومعاملتهم، ثم ينتقل بعضهم إلى مملكة أخرى وضع أولو الأمر فيها قوانين أخرى
على فرض أن الإسلام يجيز وجود مملكتين مختلفتين في الأحكام، ولا ما يقع إذا
مات واضعو قانون وخلفهم آخرون رأوا تغيير بعض أحكامه، فإن مثل هذا واقع الآن
في الأمم المرتقية في علم الحقوق، فإن الأمم يخالف بعضها بعضا، وكل أمة
تنسخ وتبدل بعض أحكام قوانينها آنا بعد آن، ويراعون في ذلك مصلحة من تعاملوا
من قبل هذا النسخ والتبديل. وأي مانع يمنع المسلمين من ذلك غير هذا التقليد الذي
خالفوا به القرآن والسنة وأقوال جميع الأئمة.
وجملة القول: إن كل بلايا المسلمين في علم الحقوق عندهم منبعها التقليد.
وهي كثيرة جدا، ولو اتبعوا هدي الكتاب والسنة لا نكشف عنهم كل غمة، فقد
وسع الله عليهم. ولكنهم ضيقوا على أنفسهم، ولا يمكن إخراجهم من هذه الهوة، أو
إنقاذهم من هذا المضيق، إلا بنزع أغلال التقليد من أعناقهم وكسر قيوده التي في
أرجلهم. وحينئذ يتسنى لهم في أي مملكة لهم فيها حكم أن يؤلفوا لجنة من أهل
العلم والرأي والمكانة في الأمة، تضع لهم القوانين والأحكام التي تدرأ هذه المفاسد
الكثيرة، وتسهل لهم سبل المصالح التي تقتضيها طبيعة زمانهم ومكانهم؛ عملا
بهدي القرآن الحكيم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
***
حديث: إن للإسلام صوى ومنارا
في طرة المنار
(س52) من م. ح. ن. بالحجاز.
المرجو من حضرة الأستاذ الحكيم العالم الرباني سيدي السيد محمد رشيد رضا
أفندي: أن يفيدني عن هذا الحديث (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق) في
أي كتاب من الكتب الحديثية المعتبرة هو؟ وفي أي باب هو؟ فصحيح هو أو
ضعيف، ويشرح لي معناه. لا زال في مقام كريم على رغم أنف كل حاسد لئيم ,
أمين.
وقد رأيت في (الرحمة المهداة لمن يريد الزيادة على حديث المشكاة) لنجل
المرحوم السيد صديق حسن خان ملك بهوبال في باب السلام، حديثا يخالف ما هو
على طرة المنار الأغر (إن للإسلام صوى بينا كمنار الطريق) وهو طويل، ما أعلم
هل الذي على طرة المنار له زيادة، أم هو كما هو على طرة المنار. أرجو
الإفادة عنه سيدي.
(ج) ترون الحديث في الجامع الصغير باللفظ الذي ترونه في المنار، معزو
إلى الحاكم عن أبي هريرة وبجانبه علامة الصحة، وترون بعده حديثا آخر (إن
للإسلام صوى وعلامات كمنار الطريق، ورأسه وجماعه شهادة أن لا إله إلا الله،
وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وتمامه الوضوء) وهو معزو
إلى الطبراني عن أبي الدرداء وبجانبه علامة الضعف. أما معناه: فالصوة بضم
الصاد المهملة، كالكوة: حجر يكون علامة في الطريق، يهتدي به المارة.