إليه اجتهاده، ويلزم من هذا أن يكون المتحاكمون جاهلين بالأحكام التي يحكم لهم أو
عليهم بها، وفي ذلك ما فيه، وهو مما يعد على الفقه الإسلامي.
(ج) إن الدين الإسلامي لم يأت بقوانين وأحكام مفصلة لجميع ما تحتاج إليه
الأمة في معاملاتها الدنيوية، وإنما جاء ببعض القواعد العامة والأحكام التي احتيج
إليها في عصر التنزيل، وفوض القرآن الأمر فيما يحتاج إليه من أمور الدنيا:
السياسية والقضائية والإدارية، إلى أهل الرأي والمعرفة بالمصالح من الأمة بقوله:
﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى: 38) وقوله {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (النساء: 59) فهذا ما جاء به الإسلام، وهو
هداية تامة كاملة لا تعمل بها أمة إلا وتكون مستقلة في أمورها مرتقية في سياستها
وأحكامها، يسير بها أهل الرأي والمعرفة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة التي
يقتضيها الزمان والمكان، ومن ذلك أن يضعوا القوانين وينشروها في الأمة، ويلزموا
القضاة والحكام باتباعها والحكم بها، ولكن المسلمين لم يهتدوا بذلك على وجه الكمال.
أما أهل الصدر الأول؛ فقد قاموا بما تقتضيه حال الزمان والمكان بقدر
الإمكان، لاسيما على عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد كان ما هو
معروف عندهم أتم المعرفة من أحكام القرآن، وأقضية الرسول وسنته في تحري
العدل والمساواة - وافيا بمعظم حاجاتهم القليلة بمقتضى السذاجة الفطرية، وشظف
العيش والتمسك بالدين، ومن لوازمه قلة الاعتداء والاحتيال، فكان يكتفى في
القاضي أن يكون عالما بما ذكر، صاحب بصيرة فيه، وعدالة في نفسه، بحيث إذا
عرض له قضية لم يرد فيها كتاب ولم تمض بها سنة - ولعل ذلك قليل - أن يعمل
رأيه تطبيقها على العدل، ويقيسها بما يشبهها مما ورد. ولم يكن الناس في ذلك
العهد يشعرون بأنهم في حاجة إلي معرفة ما عساه يعرض من أحكام القضايا غير
المنصوصة ليدون وينشر، بل لم يكن ذلك متيسرا لغلبة الأمية على المسلمين
ولتفويضهم أمر الذين يدخلون في ذمتهم إلى حكم أنفسهم بأنفسهم. ونتيجة ذلك أنهم لم
يكونوا محتاجين إلى وضع القوانين ونشرها، ولذلك صرفوا همتهم إلى الدعوة إلى
الإسلام، وما يتبع ذلك من الفتوحات.
ومما يدل على أن ما كانوا عليه كان كافيا في إقامة العدل وراحة الناس
وأمانهم، بحيث لا يشعرون بحاجة إلى معرفة ما كانوا يحكمون به - ما رواه ابن سعد
في الطبقات وابن راهويه عن عطاء قال: كان عمر يأمر عماله أن يوافوه بالموسم،
فإذا اجتمعوا قال - أي على مسمع الملإ من أهل الموسم الواردين من الجهات -: (يا
أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم؛ ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم ولا من
أعراضكم إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك
فليقم) فما قام أحد إلا رجل قام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عاملك فلان ضربني مائة
سوط. قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه.
فقام عمرو بن العاص فقال: يا أميرالمؤمنين، إنك إن فعلت هذا يكثر عليك،
وتكون سنة يأخذ بها من بعدك. قال عمر: أنا لا أقيد وقد رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقيد من نفسه؟ [1] قال عمرو: فدعنا لنرضيه. قال: دونكم فارضوه.
فافتدى منها بمئتي دينار، عن كل سوط بدينارين. اه والشاهد في عدم
قيام أحد من أهل الموسم يشكو العمال غير هذا الرجل، وقد كتبنا في المجلدين
الرابع والخامس من المنار مقالات أو نبذا في القضاء في الإسلام، ومما كتبناه
في أول النبذة الرابعة ما نصه (ص 166 م 5) .
(أركان القضاء وأصول الحكم في الإسلام أربعة: الكتاب العزيز والسنة،
والاجتهاد في الرأي والمشاورة في الأمر. وإنها لأركان عظيمة، وأصول قويمة،
والأساس الذي بنيت عليه هذه الأركان: (درء المفاسد وجلب المصالح والمنافع)
ولهذا كان الاجتهاد شرطا في القاضي؛ لوجوب تطبيق الأحكام على المنفعة في كل