ولا عجب لمختال مدل ... إذا أخلى الحواضر والثغورا
إذا غفل الرعاة عن المواشي ... فمن ذا يدرأ الأسد الهصورا
وإن الخاشع اليقظان يكوي ... بحد حسامه البطل الفخورا
كذلك من توخى البغي متنا ... تراه بدون معثرة عثورا
(7)
(وقعة كنشو)
وكنشو بالمدافع منعوها ... وولوا حفظها جيشا كبيرا
وظنوا أنها تبقى طويلا ... وتثبت في خفارتهم دهورا
أغار الخصم منقضا عليها ... ونار الروس تكتسح المغيرا
إلى أن كوروا القتلى تلالا ... وأوشكت المعاقل أن تمورا [5]
رأوا أن العدو يموت طوعا ... ولا يأبى التقحم والكرورا
ومن رغب المنية وانتحاها ... يبيت عدوه عنها نفورا
بدا للروس أن الفتح دان ... يغذ فلا معين ولا مجيرا [6]
فولوا تاركين على الروابي ... ذخائرهم لأعداهم نصيرا
لقد شمخوا على اليابان لما ... رأوا جنديهم قزما زميرا [7]
وقالوا: سوف نطحنهم فتغدو ... قبورهم الضواري والنسورا
ولكنا على يالو وكنشو ... وجدنا القول بهتانا وزورا
فعرض الجسم لا يغني فتيلا ... وطول القد لا يجدي نقيرا
ألست ترى الوليد وفيه حزم ... يسوم الفيل خسفا والبعيرا
رهام الطير تنخلع ارتياعا ... إذا رأت البواشق والصقورا
***
وقال في أول القصيد الثانية:
(الوقعة الكبرى في جوار مكدن في 15 شباط سنة 1905)
(1)
بمكدن كور بتكن لم جيشا ... وشاد له المعاقل والحصونا
رأى الأعتاد وافرة لديه ... فظن مقامه حرزا حصينا
ولكن رأي أوياما أراه ... أمورا خيبت تلك الظنونا
أقام له المراصد في الصياصي ... وبين جفونه بث العيونا [8]
تخبره بما اصطنعوا دفاعا ... لحوزتهم وكيف يدبرونا
أعد الخطة المثلى ليوم ... يروع حر أزمته السنينا
ورتب للهجوم عليه رأيا ... يكون لمجد رايته ضمينا
وهز جناحي الجيش التفافا ... على أعدائه المتحصنينا
رمى اليسرى بكوركي فندزو ... فأكو ثم في نوجي اليمينا
(2)
ودارت للمنون رحى طحون ... لها الأجساد قد صارت طحينا
وطبق كل ناحية دخان ... كثيف أسود يعمي العيونا
وصوت القذف أوقر كل أذن ... فإن سمعته تحسبه طنينا
فليس بمبصر أحد أخاه ... وما هو سامع منه الأنينا
فصار الحزن من دك سهولا ... وصار السهل من جثث حزونا
لو انقشع الدخان بدت أمور ... ترد المرد شيبا منحنينا
جيوش كيفما العين استدارت ... تراهم يظهرون ويختفونا
كأن الأرض بالأبطال حبلى ... تدفعهم حيارى صارخينا
فلا حجر تراه العين إلا ... يحجب خلفه منهم جنينا
كأن حجارها الصم استحالت ... رجالا بالحديد مسربلينا
فلا واد بتك الأرض إلا ... ويخرج من معاطفه كمينا
كأن عقولهم ذهبت شعاعا ... فليس لهم بها ما يرهبونا
فكل فتى غدا أسدا هصورا ... وموطئ رجله أضحى عرينا
***
(حديث عيسى بن هشام أو قرة من الزمن)
لمحمد بك المويلحي مقالات أدبية، كان ينشرها في جريدة مصباح
الشرق بأسلوب مقامات البديع والحريري، وراويتها عيسى بن هشام. وكان
يتمنى كثير ممن قرأها من محبي الأدب لو تجمع في كتاب فكان لهم ما تمنوا.
جمع الكاتب نفسه هذه المقالات ونقحها، وزاد فيها ونقص منها وطبعها، فكانت
كتابا صفحاته 336، وقد قال في (إهداء الكتاب) ما يأتي:
(ألف المؤلفون والكتاب أن يبدؤوا كتبهم عند نشرها بإهدائها إلى بعض
ذوي الشأن والفضل، والضعيف العاجز يهدي هذا الكتاب إلى كل من يقرأه من
أديب يجد فيه طرفا من الأدب، وحكيم يرى فيه لمحة من الحكمة، وعالم
يبصر فيه شذرة من العلم، ولغوي يصادف فيه أثرا من الفصاحة، وشاعر
يشعر فيه بمثل طيف الخيال من لطف الخيال. وأهديه إلى أرواح المرحومين -
الأديب الوالد، والحكيم جمال الدين، والعالم محمد عبده، واللغوي
الشنقيطي والشاعر البارودي، أولئك الذين أنعم الله عليهم، وأولئك الذين تأدبت
بأدبهم وأخذت عنهم) اه. ونقول: إن هذا العبارة أبلغ ما في الكتاب من خيال
الشعر الفصيح، ولمحات الحكمة في التلويح، ثم ذكر صورة كتاب كانت عنده