فنور البصيرة يلاحظ المعاني لا الصور، والصور في هذا العالم غالبة على
المعاني باطنة فيها، وفي الآخرة تتبع الصور المعاني وتغلب المعاني؛ فلذلك يحشر
كل شخص على صورته المعنوية) ، ثم قال:
(فإن قلت كم من طالب رديء الأخلاق حصل العلوم، فهيهات ما أبعده عن
العلم الحقيقي النافع في الآخرة الجالب للسعادة، فإن من أوائل ذلك العلم أن يظهر له
أن المعاصي سموم قاتلة مهلكة، وهل رأيت من يتناول سما مع علمه بكونه سما
قاتلا؟ إنما الذي تسمعه من المترسمين حديث يلقونه بألسنتهم مرة، ويرددونه بقلوبهم
أخرى، وليس ذلك من العلم في شيء. قال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس العلم
بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذف في القلب. وقال بعضهم: إنما العلم
الخشية لقوله تعالى ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: 28) وكأنه أشار
إلى أخص ثمرات العلم. ولذلك قال بعض المحققين معنى قولهم: تعلمنا العلم
لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله، إن العلم أبى وامتنع علينا، فلم تنكشف لنا
حقيقته، وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه.
(فإن قلت: إني أرى جماعة من العلماء الفقهاء المحققين برزوا في الفروع
والأصول، وعدوا من جملة الفحول، وأخلاقهم ذميمة لم يتطهروا منها، فيقال: إذا
عرفت مراتب العلوم، وعرفت علم الآخرة، استبان لك أن ما اشتغلوا به قليل الغناء
من حيث كونه علما، وإنما غناؤه من حيث كونه عملا لله - تعالى -، إذا قصد به
التقرب إلى الله - تعالى -، وقد سبقت إلى هذا إشارة، وسيأتي فيه مزيد بيان
وإيضاح إن شاء الله - تعالى -) .
أقول: المراد بهذه الوظيفة ما نعبر عنه بالتربية النفسية، فمن رأيه أنها مقدمة
على التعليم، وأن من يعلم من لم تتهذب أخلاقه كان كمن يقلد الدر أعناق الخنازير،
ويعطي السلاح للمجانين، وذلك أن المتعلم الفاسد الأخلاق يستعين بعلمه على
الشرور والإفساد في الأرض، كما هو مشاهد. ومن رأي كثير من العقلاء أن علة
سوء حال أهل الأزهر: هي كون أكثرهم ممن لم يتحلوا بتربية ولا تأديب؛ لكونهم
من بيوت لا تعرف للتربية معنى، ولا للتهذيب سبيلا، ولا للعلم قيمة. وإنما يقذف
أهلها بأولادهم في الأزهر؛ لأجل الخلاص من خدمة العسكرية أو لأجل الجراية،
وأرقاهم من يقصد أن يكون بعد التعليم قاضيا أو مفتيا، ولا شيء من ذلك يعد من
طلب العلم لوجه الله، إذا لم يقصد بالعلم الديني وجه الله بإحياء هدي كتابه، وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لإصلاح حال عباده في نفوسهم وأحوالهم الاجتماعية،
فأي غناء فيه، وكيف يرجى الخير من صاحبه؟
بل لا يشك عاقل في كون طلب العلوم الدنيوية، لا يكون مرقيا لنفس صاحبه
وحاملا له على خدمة أمته بالإخلاص النافع، إلا إذا صاحبته تربية النفس،
وتهذيب الأخلاق، وحسن النية. فمن كان فاسد الأخلاق اتخذ العلم وسيلة لحظوظ
الدنيا وشهواتها، لا يبالي في سبيلها بأمة ولا ملة. ففساد الأخلاق هو السبب في قلة
النابغين في علوم الدنيا والدين، وقلة العاملين المخلصين ممن يعدون نابغين. ولو
كانت نفوس أكثر المتعلمين منا أو الكثير منهم عالية، وأخلاقهم كاملة، لسهل عليهم
النهوض بهذه الأمة إلى أوج العزة في زمن قصير. ولكن بلاءنا بفقد التربية
أضعاف بلائنا بنقص التعليم. وإذ قد قرأت بعض كلمات حجة الإسلام في علماء
الدين في عصره المنير، فماذا تقول فيهم في عصرنا هذا؟ ثم قال:
(الوظيفة الثانية) : أن يقلل (وفي نسخة يفرغ) علائقه من الاشتغال
بالدنيا ويبعد عن الأهل والوطن، فإن العلائق شاغلة وصارفة {ما جعل الله
لرجل من قلبين في جوفه} (الأحزاب: 4) ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق، ولذلك قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا
أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر. (يريد على شك) والفكرة
المتوزعة على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه، فنشفت الأرض بعضه واختطف