مدرسة القضاء الشرعي التي وضع مشروعها الأستاذ الإمام، وستفتح أبوابها
للطالبين الذين نجحوا في الامتحان في الشهر الآتي، وهذه أعظم خدمة للإسلام في
هذا العصر، وأعاد التعليم المجاني وجعل من المزايا لمن يتعلمون فن التعليم ما
يرغبهم فيه؛ ككونهم يتعلمون مجانا، ويتغدون في المدرسة، ومنهم من يأخذ مرتبا
شهريا؛ وهم أصحاب القسم الثاني من تلاميذ مدرسة المعلمين الخديوية، وأرسل
البعوث إلى أوربا؛ لتلقي العلوم العالية في إنكلترا، وبثها في البلاد بعد عودتهم
فائزين- إن شاء الله تعالى - وهذه البعوث أكثرها من الذكور وبعضها من الإناث،
وقد انتقد إرسال بعض البنات إلى أوربا من اتخذوا تقبيح أعمال الحكومة؛ دلائل
على حبهم للوطن وأهله؛ لعلمهم أن السواد الأعظم لا يزال من الجهلة الذين يعدون
تعليم البنات من المنكرات، فهم يحتجون على قبح إرسال البنات إلى أوربا؛ بكونه
مخالفا لرأي الأمة، ولو أن الحكومة اتبعت رأي الأمة من عهد محمد علي إلى اليوم
لما تعلم أحد من أبنائها ولا بناتها كلمة في غير تلك الكتاتيب القديمة والأزهر.
إن جميع عقلاء الأمة العارفين بما ينفعها ويضرها متفقون على أن تعليم البنات
ركن من أركان الحياة، أو شرط لحصولها أو كمالها. نعم إنهم يختلفون في قدر ما
ينبغي أن تتعلمه البنات، ورأي كثير من المعتدلين أن التعليم الابتدائي كاف لهن،
وأنه لا حاجة أو لا ضرورة إلى تعليمهن لغة أجنبية.
ولكن هذا الرأي خاص بالتعليم العام، وهو لا يعارض وجوب تمييز من تتعلم؛
لتكون معلمة في المدارس على سائر المتعلمات، فإن من لا يتجاوز علمها ما يلقى في
المدارس الابتدائية، لا تصلح أن تكون معلمة فيها. ثم إننا مادمنا عالة على الإفرنج
في علومنا ومدنيتنا، وما دام أمر حكومتنا ومنها إدارة معارفنا في أيديهم أو تحت
إشرافهم، فلابد لنا من معلمين ومعلمات من أهل العلم الأوربي الذين يتلقونه من
معدنه عن أهله بلغته، حتى لا تقوم علينا حجة القوم بأنه ليس فينا أكفاء يتولون
التعليم لا سيما تعليم البنات. فإرسال بعض البنات اللواتي يرغبن هن وأولياؤهن بأن
يكن معلمات في المدارس إلى أوربا؛ لتلقي العلوم فيها هو الوسيلة إلى إغناء نظارة
المعارف عن المعلمات الأوربيات لا وسيلة سواها، وينبغي أن يخترن من البيوت
التي حسنت تربيتها بالدين والأدب.
على أن الأمة إذا صارت فيها الحياة المعنوية سريانا تاما، فإنه لابد أن يوجد
فيها من البنات، من ينهض بهن استعدادهن إلى تلقي العلوم العالية، وليس من
اعتدال المعتدلين أن يمنع هؤلاء من ذلك، بعد العلم بصدق الرغبة وقوة الاستعداد،
فقد كان في الأمة الإسلامية أيام حياتها الأولى كثيرات من المشتغلات بالعلوم الكمالية
التي هي من فروض الكفايات، التي لا يقوم بها إلا بعض الرجال، حتى رواية
الحديث بالأسانيد والتصدي للتحديث.
***
(خطبة الشيخ محمد شاكر وتنديده بلورد كرومر)
أرسل إلينا الشيخ محمد شاكر شيخ علماء الإسكندرية خطبته؛ التي قرأها في
مجمع الاحتفال بتوزيع المكافآت على نجباء الطلبة، فإذا هو قد اقتبس في فاتحتها
معنى بعض آيات الجهاد، وإذلال الله الجبابرة للمجاهدين، وإيراثهم أرضهم
وديارهم، حتى كأنها خطبة قائد جيش، فتح أو يحاول فتح الممالك، وقد بينا
رأينا في الخطبة من خمس جهات - كونها من عالم رسمي، وكونها من رجل يعد
من بطانة الأمير والمقربين منه، وكون التنديد بكلام لورد كرومر تأخر عن وقت
الحاجة، وكونه جاء بعد تصريح اللورد بأنه لم يرد فيما كتبه عن مبادئ الجامعة
الإسلامية الدين الإسلامي نفسه، فهذه أربع، والخامسة قيمة كلام الخطبة في نفسه
وهل يصلح دفعا للشبهات التي تضمنها كلام اللورد على الفقه الإسلامي كما قال،
أو على الإسلام كما يريد الشيخ شاكر وأمثاله؟ ولكن هذا الجزء لم يتسع لما كتبناه،