تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعالى.

ومن التدبير الذي يتخذه العقلاء ولا يدري به الجهلاء - وهو من قبيل السيل

يضرب جلمودا بجلمود - إيقاع الشقاق بين الزعماء في المغرب. وما وقف ذلك عند

حد الخارجين على السلطان والمحاربين له، بل قامت طائفة عظيمة من الأمة فبايعت

بالملك مولاي حفيظا (أو عبد الحفيظ) أخا السلطان عبد العزيز بفتوى من العلماء،

فصار في البلاد سلطانان سيحارب كل منهما الآخر، فيكفون فرنسا شر قوة البلاد.

يظن كثير من الناس أن السلطان عبد العزيز سيلجأ إلى فرنسا؛ لتحفظ له

سلطانه، وتكفيه شر أخيه، كما لجأ توفيق باشا إلى إنكلترا في إبان الثورة العرابية،

وبذلك تحتل فرنسا بلاد مراكش احتلالا رسميا يسمى موقتا، وتعمل عملها فيها باسم

السلطان، كما تحكم تونس باسم الباي، وهذه هي الطريقة التي استقر عليها رأي

ساسة أوربا في استعمار بلاد المسلمين؛ لأن حكمهم باسم أمرائهم وملوكهم أقرب إلى

السلام، وأبعد عن النزاع والخصام.

إنه ليحزننا؛ أن نرى مملكة إسلامية في الشقاء الذي أحاط بمملكة مراكش،

ولا يسرنا أن تبقى على ما هي عليه، أو على ما كانت عليه، إذا كان ما انتابها

الآن مبدأ للانتقال من حال إلى حال.

وإنه ليحزننا؛ أن يكون انتقالها بقوة الأجانب، لا بتدبير رجالها وحكمتهم.

ولكننا لا نرى منفذا لخيط من خيوط أشعة الرجاء في أولئك الرجال الجهلاء، فيا

طالما نصحنا لهم، وأنذرناهم البطشة الكبرى ﴿فتماروا بالنذر﴾ (القمر: 36) ،

بل كان مثلنا ومثل سائر الناصحين معهم {كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء

ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} (البقرة: 171) .

إن أهل العقل والعلم من طلاب الإصلاح للمسلمين، تتمنى قلوبهم لو يدوم

لسلطنة مراكش استقلالها، ويتحول طوفان أوربا عنها، حتى يكون إصلاح حالها

من نفسها ولو بعد حين. ولكن عقولهم تحكم بأن هذا شيء لا مطمع فيه، وتدرك أن

من العدالة العامة في الأكوان، ومن سنن المبدع في اجتماع الإنسان أن يقذف بالحق

على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. (راجع سورة الأنبياء من 18: 21) وأن

الأرض يرثها عباد الله الصالحون؛ أي: لعمارتها. (راجع آية 105 من السورة

المذكورة) ولا شك أن العلم بالنظام، وبطرق العمران، وتأمين السكان من الحق،

وهو مما يقوم به الأوربيون، وأن ما عليه المغاربة من ضد ذلك هو من الباطل،

وأن الأوربيين يعدون بالنسبة إلى المغاربة من الصالحين لاستعمار الأرض الذي

امتن الله علينا به، كما قال - تعالى - ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ (هود: 61) ، فكان الكتاب العزيز مؤيدا لحكم العقل في وجوب زوال استقلال

المغاربة، وكل دولة لا تحسن الاستعمار ولا تقيم النظام، إلا أن تتوب وتقيم

الميزان بعد الاستعداد له بما تقتضيه حال الزمان. ولا يظهر صدق الآية الكريمة في

إرث الأرض إلا بهذا التفسير، ولنا فيه سلف صالح فهو منقول لا مخترع.

إن حكم الفرقان والقرآن بأن دول العلم والنظام والاستعمار هي التي تسود على

دول الجهل والخلل والإفساد في الأرض، هو الذي يخفف من ألم حسرة العقلاء على

زوال استقلال دول المسلمين، ولا أقول: دول الإسلام، فإن من يقضي القرآن

بزوال دولته لا تكون دولته إسلامية. ولكن قد تكون مسلمية، وبهذا نبرئ الإسلام

بحق من مناقضة أصول العمران العلمي، ونجعل ذلك على أعناق المسلمين.

* * *

(غرور متعلمي اللغات الأوربية)

إن أصحاب العقول الصغيرة من متعلمي اللغات الأوربية، يتخيلون أن كل من

تلقف لغة منها، صار من العلماء الأعلام والحكماء المرشدين للأنام. ولكن هؤلاء

المتعلمين يعدون بالألوف، ولا نكاد نجد واحدا منهم في الألف يفيد أمته بكتاب

يفضل به غير العارفين بهذه اللغات، وإننا نرى أكثر ما يكتب كاتبوهم في الجرائد

أو غيرها، في منتهى السخف وضعف الفكر؛ والسبب في هذا أن اللغة الأوربية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٣٥