ومعنى اقدروا له: احسبوا، وقدروا، يقال قدره (من بابي ضرب ونصر) وأقدره
وقدر له، وغبي هنا بمعنى غم في الروايات الأخرى؛ أي: لم يظهر. والأحاديث
نص في أن العبرة برؤية الهلال، لا بحساب الحاسبين، وتقاويم المنجمين؛ وذلك أن
هذا الدين عام للبدو والحضر، فوجب أن تكون مواقيت عباداته معروفة عند عامة
المكلفين، غير مخصوصة بطائفة الحاسبين، وجاء في بعض الروايات (وانسكوا
له) ، فمواقيت الحج تعرف برؤية الهلال أيضا.
(10) عن كريب: أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت
فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم
قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال: متى رأيتم
الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت نعم، ورآه الناس،
وصاموا وصام معاوية، فقال: ولكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم، حتى نكمل
ثلاثين أو نراه: فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه، قال: لا، هكذا أمرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
الأظهر أن المشار إليه بقوله: هكذا أمرنا رسول الله؛ هو قوله: لكنا رأيناه ليلة
السبت ... إلخ، فإنه هو المنطوق الموافق للمروي، وقيل: إنه أشار إلى ما
يفهم من قوله من عدم اعتداد أهل بلد برؤية أهل بلد آخر، وهو غير مروي في
المرفوع، ولا هو صرح به، فنكتفي بروايته، فالراجح إذا حمل قوله على المروي
المعروف.
وقد اختلف علماء السلف فى المسألة، فقيل: يعتبر كل أهل بلد رؤيتهم بعدت
البلاد أو قربت. وقيل: لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر، إلا إذا ثبت
عند الإمام الأعظم فبلغه؛ لأن أمره نافذ في جميع البلاد. وقيل: إن تقاربت البلاد
كان حكمها واحد. وإن تباعدت عمل كل برؤيته، واختلفوا في حد البعد، فبعضهم
ناطه باختلاف المطالع وهو الوجه العلمي، وبعضهم ناطه بمسافة القصر وهو قياس
فقهي، وقد رجح النووي وغيره من الشافعية كل واحد من القولين، وقطع بكل
منهما جماعة من الفقهاء.
ونقول: إذا اختلفت الرؤية في البلاد المتقاربة، فإن كان هناك حاكم شرعي
ورجح شهادة , وبلغها للناس، وجب أن يعتمدوا عليها، ولا يلتفتوا إلى رؤية
الآخرين؛ لينضبط الأمر، ولا يكونوا فوضى في إقامة ركن من أركان دينهم، هذا
صائم وهذا مفطر، وإن اختلفت في البلاد المتباعدة، فهناك النظر والاجتهاد، وقد
رأيت أن بعضهم اعتبر البعد باختلاف مطالع القمر، وبعضهم اعتبره بمسافة القصر
والأول: يستلزم تحكيم علماء الفلك.
وقد ذكرنا أن غرض الشرع؛ أن يجعل ما تعرف به مواقيت العبادة عاما،
يعرفه العوام والخواص، حتى لا يتحكم الكبراء في المسائل الدينية، كما فعلوا في
الأمم السالفة.
والثاني: يمكن أن يتجه لو ورد حديث يذكر فيه اختلاف الحكم ببعد البلاد،
فيقال حينئذ: إن مسافة القصر هي البعد الشرعي الذي تختلف به الأحكام.
وهناك وجه آخر في البعد والقرب، ربما كان أجد بالاعتبار، وهو أن البلاد
المتصلة التي بين أهلها امتزاج وتعامل؛ كالبلاد المصرية كلها تعد بلادا متقاربة،
ولا ينبغي أن يكون بعض أهلها مفطرا وبعضهم صائما؛ بحجة اختلاف الرؤية،
فإذا ثبتت الرؤية في بعضها، يصوم الجميع، وإلا أكملوا عدة شعبان ثلاثين،
وصاموا متفقين، وما يفعلونه الآن في الأقطار الإسلامية من الإثبات في مكان،
وإعلام الآخرين به حسن في ذاته، وغير حسن ما يحتف به من البدع.
وأما البلاد التي لا صلة بينها قوية سهلة، ولا تعامل بينها إلا بمهاجرة بعض
أهلها من إحداها إلى الأخرى، فلا بأس باعتبار كل ما يثبت عنده، وإن تيسر إعلام
كل قطر الآخر بنبأ البرق الذي يؤمن تزويره، ولو كان للمسلمين إمام أعظم ينفذ حكمه
الشرعي في جميع بلادهم، وتيسر له إعلامهم بما يثبت عنده من الرؤية وصاموا بذلك