شربة، ولا تنهضم لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم عن
العلاج، وقالوا: أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا
بأن يتروح السر عن الهم الملم: ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري،
التجأت إلى الله - تعالى - التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي {يجيب
المضطر إذا دعاه} (النمل: 62) وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال
والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة، وأنا أوري في نفسي
سفر الشام؛ حذرا من أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي في المقام
بالشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبدا،
واستهدفت لائمة أهل العراق كافة؛ إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الإعراض
عما كنت فيه سببا دينيا؛ إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين وكان ذلك
مبلغهم من العلم، ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق
أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة. وأما من قرب من الولاة، فكان يشاهد
إلحاحهم في التعلق بي، والإنكار علي، وإعراضي عنهم وعن الالتفات إلى
قولهم. فيقولون: هذا أمر سماوي، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام
وزمرة العلم.
ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف،
وقوت الأطفال؛ ترخصا بأن مال العراق مرصد للمصالح؛ لكونه وقفا على
المسلمين، فلم أر في العالم ما يأخذه العالم لعياله أصلح منه، ثم دخلت الشام،
وأقمت به قريبا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة؛
اشتغالا بتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما كنت
حصلته من علم الصوفية، فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق أصعد منارة المسجد
طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، ثم دخلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل
يوم الصخرة، وأغلق بابها على نفسي، ثم تحركت في داعية فريضة الحج،
والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد
الفراغ من زيارة الخليل - صلوات الله عليه - فسرت إلى الحجاز.
ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد
الخلق عن الرجوع إليه، وآثرت العزلة أيضا؛ حرصا على الخلوة، وتصفية القلب
للذكر وكانت حوادث الزمان، ومهمات العيال، وضرورات المعاش، تغير في وجه
المراد، وتشوش صفوة الخلوة، وكان لا يصفو الحال إلا في أوقات متفرقة. لكني مع
ذلك لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها.
ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور
لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره؛ لينتفع به أني علمت يقينا أن
الصوفية هم السالكون لطريق الله - تعالى - خاصة، وأن سيرتهم أحسن
السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل
العقلاء، وحكم الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء؛ ليغيروا
شيئا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا وإن
جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس
وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به، وبالجملة فماذا يقول القائلون
في طريقة طهارتها، وهي أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى.
ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله.
وآخرها الفناء بالكلية في الله.
وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها،
وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه، ومن أول
الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة
وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من