وأجاد وضعها وترصيفها، كذا نقل النقلة عنه وأنا لم أر له مصنفا في أصول الدين
بعد شدة الفحص، إلا أن يكون قواعد العقائد وعقائد صغرى (كذا) .
أقول: وفاته كتاب الاقتصاد في الاعتقاد. وظاهر قوله: (وقرأ الحكمة
والفلسفة) أنه لم يقرأها على إمام الحرمين، وهو كذلك كما يعلم من كتابه (المنقذ
من الضلال) وفيه أنه صنف كتبا في الكلام، وستأتي عبارته فيه.
وقال الزبيدي في ترجمته: بعد أن ذكر من مشايخه بطوس أحمد بن محمد
الراذكاني، وفي جرجان أبا نصر الإسماعيلي، وفي نيسابور إمام الحرمين وشيخه
في التصوف. (ومن مشايخه أيضا يوسف السجاج، وفي الحديث أبو سهل محمد
ابن أحمد بن عبيد الله الحفصي المروزي، والحاكم أبو الفتح نصر بن علي بن أحمد
الحاكمي الطوسي، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الخواري خوار طبران،
ومحمد بن يحيى بن محمد السجاعي الزوزني، والحافظ أبو الفتيان عمر بن أبي
الحسن الرواسي الدهستاني، ونصر بن إبراهيم المقدسي على قول الذهبي، وقال
غيره: لم يدركه، فهؤلاء شيوخه في العلوم الثلاثة: يعني الفقه والتصوف والحديث
أقول: وهؤلاء الكثيرون الذين سمع منهم الحديث، إنما سمعه منهم في آخر أمره
بعد أن رجع من سياحاته، ثم قال الزبيدي: ولم أطلع على أسماء شيوخه الذين قرأ
عليهم في الكلام أو الجدل، فإن عثرت على شيء بعد ذلك، ألحقت به إن شاء الله
تعالى. وأما علوم الفلسفة: فلا شيخ له فيها، كما صرح بذلك في كتابه (المنقذ من
الضلال) اه.
أقول: إنه أخذ الكلام والخلاف عن إمام الحرمين؛ لأنه كان من المبرزين
فيهما، وما كان للزبيدي أن يغفل عن ذلك. ولم يذكروا شيوخه في الفنون العربية:
كالنحو والصرف والبيان والأدب، ويحتمل أنه أخذ عن الراذكاني مع الفقه شيئا من
مباديها، واعتمد بعد ذلك فيها على اشتغاله بنفسه، فقد قال عبد الغافر الفارسي
خطيب نيسابور وكان من معاصريه: إنه كان مما يعترض به عليه وقوع خلل من
جهة النحو، يقع في أثناء كلامه، وروجع فيه، فأنصف من نفسه، واعترف بأنه
ما مارس ذلك الفن، واكتفى منه بما يحتاج إليه في كلامه، مع أنه كان يؤلف
الخطب، ويشرح الكتب بالعبارات التي تعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها، وأذن
للذين يطالعون كتبه، فيعثرون على خلل فيها من جهة اللفظ أن يصلحوه، ويعذروه
فما كان قصده إلا المعاني وتحقيقها، دون الألفاظ وتلفيقها. اه كلام عبد الغافر.
ونحن نرى أن كلامه في كتبه أعلى من كلام أقرانه أسلوبا، وأحسن بيانا،
وأشد تأثيرا، كما نجد فهمه للكلام العربي أدق من أفهامهم، وذلك منتهى المقصد من
الفنون العربية كلها. فإذا كان الوصول إلى هذا المقصد ممكنا مع الإقلال من
الاشتغال بالنحو، فلماذا يضيع العاقل الوقت الطويل في قراءة الكفراوي والشيخ
خالد , والأزهرية والقطر والشذور وابن عقيل والأشموني وحواشي هذه الكتب، على أن كتابا منها يكفي الطالب ما لا بد منه من النحو.
ولعل من فهم الشذور أو ابن عقيل يكون أعلم من الغزالي بنفس النحو، فعليه أن
يفكر في الطريقة التي يكون بها مع ذلك مثل الغزالي , أو على مقربة منه في فهم
الكلام العربي، الذي وضع النحو لضبطه وللإتيان بالكلام البليغ منه قولا وكتابة،
ولذلك طريق غير كثرة مزاولة كتب النحو التي يضعف مثلها ملكة اللسان، كما قال
ابن خلدون، فليفكر في ذلك طلاب الأزهر الأذكياء، لا سيما من كان منهم عربي
اللسان، يسهل عليه فهم الكتب البليغة في الأدب والتاريخ وغير ذلك بالممارسة قبل
تلقي الفنون، فإن كاتب هذه السطور، قرأ كثيرا من هذه الكتب قبل طلب العلم،
ومنها كتاب إحياء علوم الدين لصاحب السيرة.
ولكن هذا لا يتيسر للأعاجم. وقد يستدل بهذا على أن الغزالي من عشيرة عربية
بقيت محافظة على أصل لغتها، إلا ما لا تخلو عنه طبيعة المخالطة للأعاجم من