تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإجماع عليه من أهل السنة، ولم يعتدوا بخلاف الخوارج وبعض المعتزلة، قال

الإمام أبو بكر الباقلاني في قول ضرار بن عمرو من الخوارج: بأن غير قريش

أولى بها. لم يعرج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت الحديث (الأئمة من

قريش) ، وعمل المسلمون به قرنا بعد قرن، وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك،

قبل أن يقع الاختلاف. وقال القاضي عياض: اشتراط كون الإمام قرشيا مذهب

العلماء كافة، وقد عدوها في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها

خلاف، وكذا من بعدهم في جميع الأمصار.

وأما الثاني: ففيه من الجهل بأحكام الأصول عدم الاعتداد بالحديث النبوي،

إذا لم يكن متواترا وإن كان في غير العقائد. وكأنه يقرأ في المنار أن هذا الحديث لا

يؤخذ به في هذه المسألة، فيظن أن جميع المسائل سواء، على أن المحققين اختلفوا

في العمل بأحاديث الآحاد الصحيحة في العقائد، ولم يتفقوا على عدمه. وأما في

غير العقائد فلا خلاف، ثم ماذا يقول في الإجماع؟ وفيه من الجهل بتاريخ الإسلام

الاحتجاج بخلاف المهاجرين والأنصار؛ إذ لم يعلم أن هذا الخلاف قد ارتفع

باحتجاج أبي بكر - رضي الله عنه - بكون الأئمة في قريش، وأن الأنصار

أذعنوا لذلك.

وأما الثالث: ففيه من الجهل أن خلافة خليفتنا الحالي، ليست منطبقة على

قوله آنفا: إن المسلمين هم الذين يولون الخليفة بالإجماع، فكأن قاعدته تقضي

ببطلان خلافته؛ لأنها بالوراثة لا بانتخاب المسلمين بالإجماع. أراد فريد أفندي أن

يعرض بأن سؤالنا المبني على الحديث الصحيح، وإجماع أهل السنة، ينفي خلافة

السلطان؛ ليهيج علينا العوام، فكأن كلامه هو الذي نفى خلافة هذا السلطان، وأما

نحن فنقول: إن خلافة هذا السلطان ووجوب طاعته بالمعروف، لا تنفي

ذلك الحكم المقرر في كتب العقائد، وكتب الحديث والفقه المتداولة في الآستانة، وكل

بلاد المسلمين من كون الأصل في الخلافة أن تكون لقريش، كما هو مشروح في

محله. فليسأل عنه فريد أفندي بعض مجاوري الأزهر؛ لأن ذلك مبني على وجود

من يصلح منهم للخلافة، وصرحوا بأن المتغلب تجب طاعته.

***

الانتقاد الحادي عشر

وسألته عن شهادة غير المسلم على المسلم فأجاب: (بأنها لا تجوز؛ لأن

التعصب الديني جعل أتباع أولئك الملل يكذبون على الله في كتبهم، ويزعمون أن

كل ضرر يلحقونه بغيرهم حتى القتل، لا يعاقبون عليه عند الله. إلى أن قال بعد

أن ذكر أن دوائر المعارف الأوربية صرحت بذلك: فإن كانت الشريعة الإسلامية

قررت قبول شهادتهم على المسلم مع وجود هذه النصوص الصريحة في شروح

كتبهم، لكانت (كذا) أتت بغير العدل، والله يتنزه عن ذلك) .

أقول: إن الشريعة الإسلامية شريعة عامة دائمة. فهل يقول فريد أفندي: إن

كل من كان غير مسلم يستحل شهادة الزور، وإن هذا كان عاما في زمن نزول

الشريعة، وعلم الله أنه لا يزول، وأن دوائر المعارف تثبت هذا؟ إن قال هذا: فلا

أحاجه ببداهة بطلانه. ولكنني أورد عليه مثل قوله - تعالى - في اليهود، وهم الذين

كانوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ (المائدة: 66) ، وقوله: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ (الأعراف: 159) ، وما في معناهما من الآيات. وقوله تعالى: {يا أيها الذين

آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو

آخران من غيركم} (المائدة: 106) ؛ فهل جاءت في هذه الآية بغير العدل، أم

أنت يا فريد لا تفهم معنى العدل، ولا تعرف أحكام الشريعة) ، إذا أردت أن تفهم

فلسفة الشريعة في أمثال هذه المسألة وما قبلها، فالتمس من يفهمك ما كتبناه عنها في

المنار، أو اسأل عنها من نقرأ لهم تفسير القرآن الحكيم وصحيح الأحاديث.

هذا ما أجاب عنه من انتقاداتنا على أحد دروسه، ولم يتفق له الصواب في

شيء، ولم يقارب إلا في ذلك الاحتمال في الانتقاد الرابع كما تقدم.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٠٠