ملوك يحكمون، ولا فقهاء يفتون وإنما كان هناك جماعة من أصحاب الشأن في
الأمة العارفين بمصالحها، المعروفين بحسن الرأي فيها، وهم يوجدون في كل أمة
بحسب حالها، فأولو الشأن والرأي في المصريين الآن يتألفون من عدة أصناف
رجال مجلس الشورى، وقضاة المحاكم العليا من شرعية وأهلية، والمحامون
وأصحاب الجرائد، وكبار المدرسين والمزارعين والتجار.
فأقترح أن تتألف لجنة من هؤلاء الأصناف، وتنظر في هذا الأمر، هل هو
ضروري للأمة؟ فإن كان ضروريا وضعوا له قانونا أول مواده منع الربا
المضاعف المحرم بالنص القطعي؛ لشدة ضرره وهو لا ضرورة إليه، ونظروا فيما
عدا ذلك من أعماله التي لابد منها، هل فيها شيء من ربا الفضل الذي حرم؛ لسد
الذريعة إلا لذاته كما في (أعلام الموقعين) ؟ فإن كان فيها شيء من ذلك، فهل
وصلت الضرورة فيه إلى حد يجوز العمل بقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)
أم لا؟
قال الإمام ابن القيم: (الربا نوعان: جلي وخفي. فالجلي حرم لما فيه من
الضرر العظيم، والخفي حرم؛ لأنه ذريعة إلى الجلي. فتحريم الأول قصد،
وتحريم الثاني وسيلة. فأما الجلي فربا النسيئة: وهو الذي كانوا يفعلونه في
الجاهلية مثل: أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال، حتى
تصير المائة آلافا مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى
المستحق يؤخر مطالبته، ويصبر عليه بزيادة يبذلها له، تكلف بذلها ليفتدي من أسر
المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت فيشتد ضرره وتعظم مصيبته، ويعلوه
الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له
ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل،
ويحصل أخوة على غاية الضرر، ثم أطال وأورد آية {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا
الربا أضعافا مضاعفة} (آل عمران: 130) .
وأورد بعد هذا فصلا في ربا الفضل الذي حرم لسد الذريعة: وهو أن يبيع
الدرهم بدرهمين مثلا، وذكر الخلاف فيه، وأن بعض الصحابة جوزه، وبين أنه
ككل ما حرم لسد الذريعة قد يباح للمصلحة (راجع ص 203 من أعلام الموقعين) .
وأنت تعلم أن باب المصلحة أوسع من باب الضرورة. وأساس المعاملات في
الشريعة أن كل محرم ضار، وكل نافع حلال؛ ولذلك علل الكتاب حرمة الربا بقوله:
﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (البقرة: 279) ولكن أكثر معاملات البنوك لا ظلم
فيها، بل منها ما فيه الرحمة للمتعاملين، فإن العاجز عن الكسب إذا ورث مالا
وأودعه فيه بربا الفضل، يستفيد هو والبنك معا.
وتبحث اللجنة في سائر فروع المسألة، وتمضي الأمة ما تقرره اتباعا لهداية
القرآن، وتثبت للعالمين أن شرع الإسلام موافق لمصالح البشر في كل زمان ومكان.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">