نجد بين المتعلمين في مدارس الحكومة الرسمية كثيرين يجتنبون شرب
المسكرات، وتناول الدخان. وأما المتعلمون منا في المدارس الدينية، فيقال: إن
الأعفاء فيهم قليلون جدا في هذه الأيام، فهذه جهة الضرر. وإما إذا نظرنا إلى حاجة
من يسكن هذه البلاد في قضاء حاجتهم المعاشية، وحفظ حقوقهم الخصوصية
والقومية إلى اللغة الروسية - لغة الأمة الحاكمة - فإننا نقول بنفع اشتراط تعلمها
للأئمة أيضا نفعا عظيما. هذا رأيي في أئمة المساجد. وأما رأيي في أعضاء
الجمعية الشرعية فكما يأتي:
لا يؤمل خير للجمعية الشرعية، والمسلمين من عضوية من ليست لهم قدم
راسخة في العلوم الإسلامية مع قصر باعهم في اللغة الروسية وقوانين الحكومة.
بل يتحتم أن يكون الأعضاء فيها لهم براعة في العلوم الإسلامية، وفي لغة
الحكومة، وقوانينها.
وما اشترطت لهم الحكومة من درجة التعلم في المدارس الرسمية ليس بشيء
في جنب ما أحب أن يكونوا عليه.
يجب أن تكون مقاماتهم في العلوم الإسلامية مقامات المجتهدين بالاجتهاد
الاصطلاحي، لا بالاجتهاد اللغوي فقط.
درجة الاجتهاد يجب علينا أن نشترطها من عند أنفسنا، ولو لم تشترطها
الحكومة؛ لأن ذلك يعود على أمتنا بمنافع جمة ما بين دينية واجتماعية. أما منافعه
الدينية فظاهرة. وأما النفع الاجتماعي العظيم فهو إن كون قضاتنا بهذه المثابة من
الاقتدار، يجعل لهم مكانة سامية في نظر الحكومة، ويكون سببا لبقاء فصل
الخصومات العائلية التي أتى ذكرها في المادة الثامنة من مطالب الأمة بأيدي علمائنا،
وبقاء جمعيتنا الشرعية إلى ما شاء الله.
كأني بقائل يقول: هل يمكن ظهور المجتهدين من بيننا؟
فأقول في جواب هذا السؤال: نعم، لا يوجد اليوم فينا مجتهدون، ويستبعد
الناظر في حالتنا الحاضرة ظهورهم في المستقبل القريب أيضا. بيد أنه إذا انتظمت
مدارسنا، ودرست فيها العلوم النافعة من كتب أصحاب العلوم الحقيقية بدل هذه
الكتب السخيفة، فلا مانع - في رأيي - من ظهور المجتهدين بيننا.
لا يشترط الاجتهاد الإسلامي ثلث الشروط التي تشترط في ترشيح المرء لأن
يكون رئيسا أو مدعيا عموميا أو عضوا أو محاميا في المحاكم الكبيرة في أوربا
وفي روسيا.
نرى اليوم بين الروس الذين لا يفوقون المسلمين الساكنين في هذه البلاد
بشيء من: الذكاء الفطري، الاستعداد الطبيعي، ألوفا يساوون المجتهدين في
المذهب، بل المجتهدين المطلقين في علومهم، وبراعتهم في الفقه (علم الحقوق)
والقوانين الوضعية. فكيف يمتنع إذا ظهور مائة أو خمسين مجتهدا من بين مسلمي
روسيا الذين ينيف عددهم على 15 مليونا، إذا سعوا له سعيه وأتوا البيوت من
أبوابها.
إذا نحن أخلدنا إلى الأرض، ورضينا بالجمود على هذه الحالة الوضيعة
فحرام علينا أن نعد أنفسنا من نوع الإنسان الذي فطر على أن يترقى دائما مع
الزمان.
أنا أعلم أن كلامي هذا يحفظ قلوب كثير من الجامدين، فينبذونني بالجهل
والمروق عن دائرة الأدب مع الأئمة السالفين، ويقولون ألبتة: (ما لهذا الجاهل
الضال، قد حط من قدر الاجتهاد، وتجرأ على القول بإمكان ظهور المجتهدين في
هذا الزمان. أما سمع هذا المتهور خبر انقضاء عصر الاجتهاد، وانغلاق بابه منذ
قرون كثيرة) .
غير أني أقول لهؤلاء: (إني لم أكتب ما كتبت لغفلتي عن مباحث الاجتهاد،
وخبر انغلاق بابه عند بعضهم. بل كتبته بعد أن بحثت وأدمنت الفكر في هذه
المباحث زمنا طويلا، حتى هداني البحث والتنقيب إلى معرفة مفتجري فكرة
(انغلاق باب الاجتهاد) ، والأسباب التي حملتهم على افتجارها، والعصور التي
ظهرت فيها تلك الفكرة السيئة.
زحفت التتار إلى بغداد فدمروها تدميرا وقتلوا العلماء تقتيلا، وأبادوا الآثار
العظيمة الشاهدة بعظمة المسلمين السابقين، وفعل الأسبانيون الأفاعيل بالمسلمين،
وساموهم سوء العذاب في جزيرة الأندلس، أضر هؤلاء المتوحشون بالبلاد