تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أي الأنواع أفضل، والخلاف في وجوبه خلاف قليل، نذكر قولا في مذهب

الإمام أحمد.

وإذا كان النزاع إنما هو في الاستحباب، علم الإجماع على جواز ذلك

وإجزائه، ويكون ذلك بمنزلة القراءات في القرآن، فإن جميعها جائز، وإن كان من

الناس من يختار بعض القراءات على بعض، وبهذا يزول الفساد المتقدم فإنه إذا علم

أن ذلك جميعه جائز مجزئ في العبادة؛ لم يكن النزاع في الاختيار ضارا، بل قد

يكون النوعان سواء، وإن رجح بعض الناس بعضها، ولو كان أحدهما أفضل لم

يجز أن يظلم من يختار المفضول، ولا يذم ولا يعاب بإجماع المسلمين، بل المجتهد

المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين، ولا يجوز التفرق بذلك بين الأمة، ولا أن

يعطى المستحب فوق حقه، فإنه قد يكون من أتى بغير ذلك المستحب من أمور

أخرى واجبة ومستحبة أفضل بكثير، ولا يجوز أن تجعل المستحبات بمنزلة

الواجبات، بحيث يمتنع الرجل من تركها، ويرى أنه قد خرج من دينه أو عصى

الله ورسوله، بل قد يكون ترك المستحبات لمعارض راجح أفضل من فعلها، بل

الواجبات كذلك، ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض هذه

المستحبات، فلو تركها المرء؛ لائتلاف القلوب كان ذلك حسنا وذلك أفضل. إذا

كان مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب، وقد أخرجا في الصحيحين

عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: (لولا أن قومك حديثو عهد

بجاهلية، لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها بابا يدخل الناس منه

وبابا يخرجون منه) ، وقد بين احتج بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام

قد يترك بعض الأمور المختارة؛ لأجل تأليف القلوب ودفعا لنفرتها، ولهذا نص

الإمام أحمد: على أنه يجهر بالبسملة عند المعارض الراجح، فقال: يجهر بها إذا

كان بالمدينة، قال القاضي: لأن أهلها إذ ذاك كانوا يجهرون فيجهر بها؛ للتأليف،

وليعلمهم أنه يقرأ بها وقال غيره: بل لأنهم كانوا لا يقرؤونها بحال فيجهر بها

ليعلمهم أنه يقرأ بها، وأن قراءتها سنة كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في

صلاة الجنازة، فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته، وبهذا يزول الشك والطعن، فإن

الاتفاق إذا حصل على جواز الجميع وإجزائه، علم أنه دخل في المشروع، فالتنازع

في الرجحان لا يضر، كالتنازع في رجحان بعض القراءات، وبعض العبادات،

وبعض العلماء، ونحو ذلك، بل قد أمر النبي- صلى الله عليه وسلم - كلا من

القراء أن يقرأ كما يعلم، ونهاهم عن الاختلاف في ذلك، فمن خالف في ذلك كان

ممن ذمه الله ورسوله. فأما أهل الجماعة فلا يختلفون في ذلك.

وأما الأصل الثاني، فنقول: السنة المحفوظة عن النبي - صلى الله عليه

وسلم- فيها من السعة والخير ما يزول به الحرج، وإنما وقعت الشبهة؛ لإشكال

بعض ذلك على بعض الناس. أما الأذان فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي

صلى الله عليه وسلم سن في الإقامة الإيتار والشفع، ففي الصحيحين أنه أمر

بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وفي صحيح مسلم أنه علم أبا محذورة الإقامة

مثنى مثنى مثل الأذان، فإذا كان كل واحد من مؤذني رسول الله صلى الله عليه

وسلم، قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأحد النوعين، صار ذلك مثل

تعليمه القرآن لعمر بحرف، ولهشام بن حكيم بحرف آخر، وكلاهما قرآن أذن الله

أن يقرأ به.

وكذلك الترجيع في الأذان هو ثابت في أذان أبي محذورة، وهو محذوف من

أذان بلال الذي رووه في السنن. وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة بها، صح الجهر

بها عن طائفة من الصحابة، وصحت المخافتة بها عن أكثرهم، وعن بعضهم

الأمران جميعا.

وأما المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم فالذي في الصحاح والسنن

يقتضي أنه لم يكن يجهر بها، كما عليه عمل أكثر الصحابة وأمته، ففي الصحيح

حديث أنس وعائشة وأبي هريرة يدل على ذلك دلالة بينة لا شبهة فيها، وفي السنن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١١٤