وكانوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا عموما وللنبي - عليه السلام - خصوصا،
واقفين له ولقومه بالمرصاد، ناصبين لهم حبائل الفتن، موغرين عليهم صدور
الناس. فلو عثروا على أدنى تحريف أو تغيير؛ لشنوا على جامعي المصاحف غارة
الفتنة، وشنعوا عليهم في جميع القبائل. ولكان ذلك من أعظم الفرص المساعدة على
اتهامهم في نظر الأمة. وأكبر الوسائل المؤدية إلى تفريق الجامعة الإسلامية،
وتشتيت كلمتها.
كانت مدينة النبي- عليه السلام -غاصة بالمنافقين؛ كان عرفهم بسيماهم،
ويعرفهم في لحن أقوالهم، كانوا يحضرون في مجالسه، يسمعون منه، ويقرأون في
من قرأ، ويصلون مع من صلى.
وهم في كل لحظة، يتوقعون هفوة تصدر منه؛ ليتخذوها ذريعة إلى رد الناس
عن الإيمان به، وقد صاحبوا أصحابه بعده، ولم يسمع أن واحدا منهم قال بتغيير
حرف من القرآن، وهم أولى الناس بذلك وأقدرهم على فرض وقوعه؛ لسماعهم
الأصل من النبي. وتتابع الفتن المساعدة لهم في طعن الدين بأكبر المطاعن.
أمة غربلت أقوال نبيها ونخلتها، وبحثت فيها بحث تدقيق، ونقدتها، وروت
من أخبار العصر الأول ما عليها، قبل نقل ما لها. أمة عنايتها بكلام ربها أضعاف
عنايتها بأحاديث نبيه. يستحيل عليها أنها عكفت على هذا الدين، وفي القرآن أقل
تغيير قاض أنه ليس من عند الله.
أمة إذا سمع عالمها بيتا من الشعر، واستطلع معناه، قال: هذا مأخوذ من
قول فلان الجاهلي. أيغيب عنها البحث في القرآن؟ هل وقع فيه تغيير وشيء جديد أو هو باق على ما كان عليه تنزيل من حكيم حميد اه.
-----------------
<span class="footnote">
(1) يريد المؤلف بهذا الرد على ما ينقل عن بعض غلاة الشيعة من زعم كتمان الصحابة لآيات؛ ادعوا أنها نزلت في آل البيت عليهم السلام كما سيصرح به.</span></span>
الكاتب: أحمد بن تيمية
-----------------
<span class="footnote">