﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ﴾ لازما ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم.
﴿ إنها ساءت مستقرا ومقاما ﴾ أي بئست مستقرا، وفيها ضمير مبهم يفسره المميز والمخصوص بالذم ضمير محذوف به ترتبط الجملة باسم إن، أو أحزنت وفيها ضمير اسم أن ومستقرا حال أو تمييز والجملة تعليل للعلة الأولى أو تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والإبتداء من الله.
﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ﴾ لم يجاوزوا حد الكرم. ﴿ ولم يقتروا ﴾ ولم يضيقوا تضييق الشحيح. وقيل الإسراف هو الإنفاق في المحارم والتقتير منع الواجب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع وابن عامر والكوفيون بضم الياء وكسر التاء من أقتر، وقرىء بالتشديد والكل واحد. ﴿ وكان بين ذلك قواما ﴾ وسطا عدلا سمي به لاستقامة الطرفين كما سمي سواء لاستوائهما، وقرىء بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة، ويجوز أن يكون الخبر بين ذلك لغوا، وقيل إنه اسم ﴿ كان ﴾ لكنه مبني لإضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالإخبار بالشيء عن نفسه.
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله ﴾ أي حرمها بمعنى حرم قتلها. ﴿ إلا بالحق ﴾ متعلق بالقتل المحذوف، أو بلا يقتلون ﴿ ولا يزنون ﴾ نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال إيمانهم وإشعارا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، وتعريضا للكفرة بأضداده ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم فقال: ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاما ﴾ جزاء إثم أو إثما بإضمار الجزاء، وقرىء «أياما» أي شدائد يقال يوم ذو أيام أي صعب.
﴿ يضعف له العذاب يوم القيمة ﴾ بدل من ﴿ يلق ﴾ لأنه في معناه كقوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا
تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
وقرأ أبو بكر بالرفع على الاستئناف أو الحال وكذلك: ﴿ ويخلد فيه مهانا ﴾ وابن كثير ويعقوب يضعف بالجزم وابن عامر بالرفع فيهما مع التشديد وحذف الألف في «يضعف»، وقرىء ﴿ ويخلد ﴾ على بناء المفعول مخففا، وقرىء مثقلا وتضعيف العذاب مضاعفته لانضمام المعصية إلى الكفر ويدل عليه قوله:
﴿ إلا من تاب وءامن وعمل عملا صلحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت ﴾ بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم، أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة. وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه، أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثوابا. ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ فلذلك يعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات.
﴿ ومن تاب ﴾ عن المعاصي بتركها والندم عليها. ﴿ وعمل صلحا ﴾ يتلافى به ما فرط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة. ﴿ فإنه يتوب إلى الله ﴾ يرجع إلى الله بذلك. ﴿ متابا ﴾ مرضيا عند الله ماحيا للعقاب محصلا للثواب، أو يتوب متابا إلى الله الذي يحب التائبين ويصطنع بهم؛ أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعا حسنا وهو تعميم بعد تخصيص.
﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ لا يقيمون الشهادة الباطلة، أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه.
وإذا مروا باللغو
[الفرقان: 72] ما يجب أن يلقى ويطرح. ﴿ مروا كراما ﴾ معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه، ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن التصريح به.
﴿ والذين إذا ذكروا بئايت ربهم ﴾ بالوعظ أو القراءة. ﴿ لم يخروا عليها صما وعميانا ﴾ لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل كقولك: لا يلقاني زيد مسلما. وقيل الهاء للمعاصي المدلول عليها ﴿ باللغو ﴾.