﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ التي ينتهي إليها أعمال الخلائق وعلمهم، أو ما ينزل من فوقها ويصعد من تحتها، ولعلها شبهت بالسدرة وهي شجرة النبق لأنهم يجتمعون في ظلها. وروي مرفوعا أنها في السماء السابعة.
﴿ عندها جنة المأوى ﴾ الجنة التي يأوي إليها المتقون أو أرواح الشهداء.
53.16-25
﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصيها عد، وقيل يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها.
﴿ ما زاغ البصر ﴾ ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه. ﴿ وما طغى ﴾ وما تجاوزه بل أثبته إثباتا صحيحا مستيقنا، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها وما جاوزها.
﴿ لقد رأى من ءايت ربه الكبرى ﴾ أي والله لقد رأى من آياته وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج وقد قيل إنها المعنية بما ﴿ رأى ﴾. ويجوز أن تكون ﴿ الكبرى ﴾ صفة لل ﴿ ءايت ﴾ على أن المفعول محذوف أي شيئا من آيات ربه أو ﴿ من ﴾ مزيدة.
﴿ أفرءيتم اللت والعزى ومنوة الثالثة الأخرى ﴾ هي أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف أو لقريش بنخلة وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها أي يطوفون. وقرأ هبة الله عن البزي ورويس عن يعقوب«اللت» بالتشديد على أنه سمي به لأنه صورة رجل كان يلت السويق بالسمن ويطعم الحاج. ﴿ والعزى ﴾ بالتشديد سمرة لغطفان كانوا يعبدونها فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، وأصلها تأنيث الأعز ﴿ ومنوة ﴾ صخرة كانت لهذيل وخزاعة أو لثقيف وهي فعلة من مناه إذا قطعه فإنهم كانوا يذبحون عندها القرابين ومنه منى. وقرأ ابن كثير ﴿ مناة ﴾ وهي مفعلة من النوء فإنهم كانوا يستمطرون الأنواء عندها تبركا بها، وقوله ﴿ الثالثة الأخرى ﴾ صفتان للتأكيد كقوله تعالى:
يطير بجناحيه
[الأنعام: 38] أو ﴿ الأخرى ﴾ من التأخر في الرتبة.
﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ إنكار لقولهم الملائكة بنات الله، وهذه الأصنام استوطنها جنيات هن بناته، أو هياكل الملائكة وهو المفعول الثاني لقوله ﴿ أفرءيتم ﴾.
﴿ تلك إذا قسمة ضيزى ﴾ جائرة حيث جعلتم له ما تستنكفون منه وهي فعلى من الضيز وهو الجور، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء كما فعل في بيض فإن فعلى بالكسر لم تأت وصفا. وقرأ ابن كثير بالهمز من ضأزه إذا ظلمه على أنه مصدر نعت به.
﴿ إن هى إلا أسماء ﴾ الضمير للأصنام أي ما هي باعتبار الألوهية إلا أسماء تطلقونها عليها لأنهم يقولون أنها آلهة وليس فيها شيء من معنى الألوهية، أو للصفة التي تصفونها بها من كونها آلهة وبنات وشفعاء، أو للأسماء المذكورة فإنهم كانوا يطلقون اللات عليها باعتبار استحقاقها للعكوف على عبادتها، والعزى لعزتها ومناة لاعتقادهم أنها تستحق أن يتقرب إليها بالقرابين. ﴿ سميتموها ﴾ سميتم بها.
﴿ أنتم وءاباؤكم ﴾ بهواكم. ﴿ ما أنزل الله بها من سلطن ﴾ برهان تتعلقون به. ﴿ إن يتبعون ﴾ وقرىء بالتاء. ﴿ إلا الظن ﴾ إلا توهم أن ما هم عليه حق تقليدا وتوهما باطلا. ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ وما تشتهيه أنفسهم. ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ الرسول أو الكتاب فتركوه.
﴿ أم للإنسن ما تمنى ﴾ ﴿ أم ﴾ منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار، والمعنى ليس له كل ما يتمناه والمراد نفي طمعهم في شفاعة الآلهة وقولهم:
لئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى
[فصلت: 50] وقوله:
لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31] ونحوهما.
﴿ فلله الأخرة والأولى ﴾ يعطي منهما ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم عليه في شيء منهما.