ويدع الإنسن بالشر
[الإسراء: 11] ﴿ وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ﴾ بالتجاوز عما تابوا عنه، والقبول يعدى إلى مفعول ثان بمن وعن لتضمنه معنى الأخذ والإبانة، وقد عرفت حقيقة التوبة. وعن علي رضي الله تعالى عنه: هي اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. ﴿ ويعفوا عن السيئت ﴾ صغيرها وكبيرها لمن يشاء. ﴿ ويعلم ما يفعلون ﴾ فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة، وقرأ الكوفيون غير أبي بكر «ما تفعلون» بالتاء.
﴿ ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ﴾ أي يستجيب الله لهم فحذف اللام كما حذف في
وإذا كالوهم
[المطففين: 3] والمراد إجابة الدعاء أو الإثابة على الطاعة، فإنها كدعاء وطلب لما يترتب عليها. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام
" أفضل الدعاء الحمد لله "
أو يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها. ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ على ما سألوا واستحقوا واستوجبوا له بالاستجابة. ﴿ والكفرون لهم عذاب شديد ﴾ بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضل.
﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ﴾ لتكبروا وأفسدوا فيها بطرا، أو لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء وهذا على الغالب، وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية.
﴿ ولكن ينزل بقدر ﴾ بتقدير. ﴿ ما يشاء ﴾ كما اقتضته مشيئته. ﴿ إنه بعباده خبير بصير ﴾ يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم فيقدر لهم ما يناسب شأنهم. روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت. وقيل في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا.
﴿ وهو الذى ينزل الغيث ﴾ المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم «ينزل» بالتشديد. ﴿ من بعد ما قنطوا ﴾ أيسوا منه، وقرىء بكسر النون. ﴿ وينشر رحمته ﴾ في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان. ﴿ وهو الولى ﴾ الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته. ﴿ الحميد ﴾ المستحق للحمد على ذلك.
﴿ ومن ءايته خلق السموات والأرض ﴾ فإنها بذاتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم. ﴿ وما بث فيهما ﴾ عطف على ﴿ السموات ﴾ أو ال ﴿ خلق ﴾. ﴿ من دابة ﴾ من حي على إطلاق اسم المسبب على السبب، أو مما يدب على الأرض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أن فيها في الجملة. ﴿ وهو على جمعهم إذا يشاء ﴾ أي في أي وقت يشاء. ﴿ قدير ﴾ متمكن منه و ﴿ إذا ﴾ كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع.
﴿ وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ فبسبب معاصيكم، والفاء لأن ﴿ ما ﴾ شرطية أو متضمنة معناه، ولم يذكرها نافع وابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببية. ﴿ ويعفوا عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يعاقب عليها. والآية مخصوصة بالمجرمين، فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه.