[الجمعة: 9] ثم بعد انقضاء الصلاة قال:
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله
[الجمعة: 10]. إذن: أخذك للصلاة من العمل، ثم أعادك إليه مرة أخرى، لأن به يتم إعمار الأرض وقضاء مصالح الخلق. إذن: أكبر هي الأنسب في أداء المعنى المراد. قوله: ﴿ ونادى فرعون في قومه ﴾ [الزخرف: 51] فرعون لم يناد هو، إنما أمر من ينادي في القوم بهذا النداء، فلما كان النداء بأمره نسب إليه، وقوله ﴿ أليس لي ملك مصر ﴾ [الزخرف: 51] يعني: القطر كله لا العاصمة، كما نقول نحن اليوم مصر على القاهرة، فمصر التي ملكها فرعون كانت من الأسكندرية إلى أسوان. ومصر علم على هذه البقعة، وهي مكونة من ثلاثة أحرف. أولها: كسرة، ووسطها ساكن والسكون يعطي خفة في النطق، فهي اسم سهل في النطق، وجاء على أقل صيغ تكوين الاسم في اللغة، لأن الاسم في العربية أقله ثلاثة أحرف، وأكثره خمسة إذا كان مجردا من أحرف الزيادة. والمتأمل يجد أن مكة وهي بلد الله الحرام ومحل بيته المقدس ذكرت في كتابه الكريم مرتين:
وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة
[الفتح: 24]. وجاءت بلفظ بكة في قوله تعالى:
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين
[آل عمران: 96]. أما مصر فذكرها الحق سبحانه في كتابه خمس مرات: ﴿ أليس لي ملك مصر.. ﴾ [الزخرف: 51] وفي:
وقال الذي اشتراه من مصر
[يوسف: 21] وفي
ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين
[يوسف: 99] وفي
وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا
[يونس: 87] وفي
اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم
[البقرة: 61]. وجاءت مصر في الآية الأخيرة هكذا بتنوين الفتح. وقال المفسرون: يعني أي مصر من الأمصار يكون فيه ما تريدون، ولو اعتمدنا هذا التفسير فمصر في هذه الحالة داخلة فيه لأنها مصر من الأمصار. وقوله: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ [الزخرف: 51] كلمة ﴿ من تحتي ﴾ [الزخرف: 51] تدل على التمكن والسيطرة، وبالفعل كانت قصوره على النهر مباشرة وكأن النهر يمر من تحتها.
وجمع الأنهار، مع أننا نعرف أن في مصر نهرا واحدا هو نهر النيل، وأنه يتفرع إلى فرعين دمياط ورشيد، فلماذا قال ﴿ وهذه الأنهار ﴾ [الزخرف: 51]. قالوا: كانت على أيام الفراعنة خمسة أنهار، أي: أنهم فرعوا من النهر خمسة فروع ليزيدوا من الشواطئ، وبهذا كان لديهم عشرة شواطئ تبنى عليها قصورهم. وأذكر في هذا المقام أنه كان لنا شيخ فاضل اسمه الشيخ عمر العمروسي من طنطا الجزيرة، وكنت أجلس إليه وأستفيد من علمه، ومعي الشيخ سيد شرف والدكتور ياسين عبد الغفار. وفي يوم من الأيام سألني، وهو يعرف أنني في الأزهر فقال لي: يا شعراوي، ماذا فعلتم في مسألة: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ [الزخرف: 51]. قلت له: في قراءة التاريخ وجدنا أن مصر في أيام الفراعنة كان بها خمسة أنهار، نهر اسمه الملك لأن على شاطئه قصر الملك، ونهر اسمه دمياط، ونهر اسمه تنيس والعجيب أن منها نهرا يسمى طولون، ونحن نعرف أحمد بن طولون وكان في القرن التاسع الميلادي فكيف سمي باسمه، وبعد البحث عرفنا أن ابن طولون هو الذي ردم هذا الفرع من النهر فسمي باسمه. والنهر الخامس كان يسمى الخليج. إذن: زادوا من تفريعات النهر الرئيسي لتزداد فرص البناء المطل على النهر، وهذا إن دل فإنما يدل على ترف الحياة حين ذاك. أما الشيخ عمر فكان له في تفسير الأنهار رأي آخر، قال: اسمع يا ابني أنت وهو، الفراعنة جعلوا مصر على هيئة نموذج للجنة، فجعلوا بها أربعة أنهار. واقرأوا القرآن:
مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى
[محمد: 15]. لكن من أين عرف الفراعنة هذه الصورة عن الجنة فحاكوها على أرض مصر؟ قالوا: لأنهم كانوا يسيرون في أمور حياتهم وفي سياستهم خلف الكهنة، والكهنة كانوا على علم، وقرأوا الكتب السماوية السابقة. حتى أنهم قالوا: إن العلوم التي عرفها الفراعنة وبنوا بها الأهرامات وأبا الهول والمعابد الموجودة الآن والتي لم نصل بعد تطور العلوم إلى أسرار بنائها، وعملية تحنيط الموتى وغيرها من الأسرار عرفوه من الكهنة. وما دامت من الكهنة فمصدرها وحي السماء، بدليل أنه لما انتهى عصر الكهنة ولم يعد لهم وجود لم نجد لهذه العلوم أثرا حتى الآن. وأذكر أنني في أثناء تولي المهندس حسب الله الكفراوي اقترحت عليه إعادة حفر هذه الأنهار، بحيث تلتقي كلها عند القناطر الخيرية، ونزيد مساحة الشاطئ عندنا، واقترحت عليه لحل أزمة البناء، وبدلا من البناء على الأرض الزراعية أن نبني المساكن والمرافق الحكومية فوق فروع الترع والرياحات، لأنها تحتل مساحات واسعة. ومعظمها عليه طرق من اليمين ومن الشمال، ويمكن أن نقيم أعمدة مسلحة على هذه الرياحات، ونبني فوقها كل مؤسسات الدولة بدل التكدس في العاصمة، فوعدني بدراسة هذه المقترحات لكن لم ينفذ منها شيء. المفسرون يقولون في ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ [الزخرف: 51] أن الأنهار كانت تجري من تحت قصوره بالفعل، قالوا: حتى أنه جعل من تحت سريره الذي ينام عليه مجرى مائيا كالنهر.