تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما وصل إلى حيه ذبح الذبائح وأطعم الناس، ثم أراد أن يدخل عليها، فقالت: يا عمرو أترغب في النساء وفي العرب حيان يقتتلان، اذهب فأصلح بينهما أولا، ثم لا يفوتك من أهلك شيء. خرج عمرو وأصلح بين الحيين ودفع دية القتلى من الجانبين ثلاثة آلاف بعير من ماله، ثم عاد إلى زوجته فلما علمت بما فعل قالت له: الآن يا حارث. هذه أمثلة من النساء اللاتي كان لهن عقل راجح ورأي سديد وقدرة على الجدل. ولما أراد عمر خطبة أم أناس بنت عوف دعا امرأة من كندة اسمها عصام، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف، فذهبت إلى بيت عوف وقابلتها أمامة، وعرفت منها سبب مجيئها، جعلت أمامة لبنتها خيمة وقالت: اجلسي فيها وستدخل عليك عصام فلا تستري عنها شيئا أرادت النظر إليه من وجه وخلق، وناطقيها فيما استنطقتك به، لأنها جاءت لكذا وكذا. دخلت عصام على أم أناس فوجدتها كما أرادت، لم تخف عنها شيئا. فقالت: ترك الخداع من كشف القناع، فصارت مثلا عند العرب حتى الآن. فلما انتهت إلى عمرو قال لها: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أبدى المخض عن الزبد - يعني: الرحلة جاءت بالنتيجة المرضية - فقال لها: ناطقيني، قالت: أخبرك حقا وصدقا، ثم أخذت تصف له أم أناس من ساسها لراسها ونكتفي هنا بوصف ما لا يحرم. قالت: رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة، يزينها شعر كأذناب الخيل المضفورة، إن مشطته خلته السلاسل، وإن أرسلته قلت: عناقيد كرم جلاها الوابل، تحته حاجبان متقوسان كأنما خطا بقلم أو سودا بحمم، قد تقوسا على عيني الظبية العبهرة التي لم يرعها قانص، ولم يفزعها قسورة. بينهما أنف كحد السيف المصقول لم يخنس به قصر، ولم يمعن به طول، حلقت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان، فيه فم كالخاتم لذيذ المبتسم، ذو ثنايا غر، وفيه لسان مليء بيانا، يزينه شفتان حمراوان كأنهما الورد، يجلبان ريقا كالشهد، وتحته عنق كإبريق الفضة اتصل به عضدان ممتلئان.. إلى آخر ما قالت عصام في الوصف. وقبل أن تغادر أم أناس بيت أبيها إلى بيت زوجها لم يفت أمامة بنت الحارث أن توصي ابنتها هذه الوصية الغالية التي تضمن لها السعادة الزوجية، إن هي التزمت بها، واسمع أمامة تقول: أي بنية.. إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليك كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال. أي بنية.. إنك مفارقة الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فاحفظي له خصالا عشرا يكن لك ذخرا: أما الأولى والثانية: فالرضا له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة.

وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح. ولا يشم أنفه منك إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التدبير وفي العيال حسن التقدير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرا، ولا تفشين له سرا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهتما، والكآبة بين يديه إن كان فرحا.. هذه نماذج من النساء صاحبات العقل الراجح والتفكير السديد. ولو أخذت الزوجات بهذه النصيحة لكفتنا شرا كثيرا من الخلافات الزوجية التي نعاني منها اليوم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٥٨