تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك رأينا الرسل جاء الواحد بعد الآخر بمناهج مترقية، كل منهج منها يناسب القوم ويصلح العلل الموجودة في هذا الوقت، مع أن هذه الشرائع اتحدت جميعها في أمور العقائد والأخلاق، وفي ثوابت الدين مثل الصلاة والزكاة، ثم بعد ذلك يأتي الرسول بأحكام خاصة تناسب حال قومه وتعالج أدواءهم. والمتأمل في موكب الرسالات يجد الرسالات يجد أنها تتطور يتطور حركة الحياة وما يستجد في حياة الناس من أقضية، نحن مثلا في الريف نجعل بين الحقول سكة ضيقة تسع مثلا مرور شخص واحد، أو حمارا محملا ويسمونها، مدق غرضه أن نصل من خلاله إلى حقولنا لكن إن أردنا طريقا بين قريتين نوسعه بعض الشيء ليسع سيارة مثلا، فإن كان بين مدينتين كان أوسع. وهكذا رأينا تطورا كبيرا في إنشاء الطرق تطورا يناسب حركة الحياة التي تطورت، انظر مثلا طريق مصر الإسكندرية الصحراوي تجده طريقا متسعا واسعا ليسع حركة المرور عليه، وهو اتجاهان ذهاب وإياب، به استراحات فيها كل ما تحتاجه لأنه طريق طويل. الحق سبحانه حدثنا عن هذه المسألة فقال:

الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا..

[طه: 53] وسيدنا عمر لما أرادوا أن يخططوا مدينة البصرة قال لهم: اجعلوا الطريق متسعا لجملين محملين متقابلين، وهذا هو ما نفعله في العصر الحديث. وفي سورة سبأ قال تعالى:

وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين

[سبأ: 18]. القرى الظاهرة هي المحطات في الطريق الطويل والاستراحات التي تجد فيها حاجتك وترتاح فيها، فالطريق الطويل لا بد أن يقسم إلى مراحل ليكون السفر مريحا غير شاق، وكلما ارتقت حركة الحياة ترتقي معها هذه الوسائل، حتى أننا نرى في بعض الاستراحات أماكن للراحة وللنوم. لذلك الحق سبحانه يحكي عن الذين تعدوا وظلموا أنفسهم من الأعيان وأصحاب المراكب الفارهة حتى قالوا:

ربنا باعد بين أسفارنا..

[سبأ: 19] لماذا مع أن السفر وبعد السفر مشقة؟ قالوا: لأنهم أصحاب غنى ومراكب لا تتوافر لغيرهم، فأرادوا بذلك ألا يقدر على السفر غيرهم، ولا يسلك هذه الطريق للتجارة إلا الأغنياء. هذا مثل للارتقاء أيضا في التشريع، فكلما جد جديد وكلما وجد أقضية جديدة ارتقى التشريع من رسول لآخر ليعالج هذه الأقضية، إلى أن جاء التشريع الخاتم الصالح لكل زمان ومكان، والذي قال الله عنه:

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا..

[المائدة: 3]. وقوله تعالى: ﴿ ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ [الشورى: 52] الكلام هنا عن القرآن، جعله الله نورا يهدي الله به من يشاء من عباده، فأثبت أن الهداية لله بهذا النور المنزل في الكتاب المحكم.

ثم أثبت أيضا الهداية لرسول الله وفوضه في أن يشرع للناس بدليل قوله تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. فهداية الحق سبحانه في الأصول والثوابت وهي ما ورد في آيات الذكر الحكيم، ثم هداية الرسول في الفروع، وفي بيان هذه الأصول وشرحها، فإن جد في حياتكم جديد، وطرأ عليها من المسائل ما لم يأت بشأنه نص، لا من الكتاب ولا من السنة فأجمعوا أمركم وليكون الرأي شورى بينكم، ولا تقضوا في هذه المسائل برأي الفرد، إنما برأي الجماعة. لذلك ورد في الحديث:

" لا تجتمع أمتي على ضلالة ".

وما أجمل ما قاله شوقي رحمه الله:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به

رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

لذلك جعلوا الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي. فهذه الآية أثبتت الهداية لله تعالى بالقرآن ﴿ ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا.. ﴾ [الشورى: 52] وهذه خاصة بالأصول وثوابت الدين التي ورد بها نص في كتاب الله. ثم أثبتت هداية أيضا لرسول الله في الفروع، وفي توضيح ما أجمل في كتاب الله ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ [الشورى: 52] وأعطت سيدنا رسول الله الحق وفوضته في التشريع للناس، لذلك كانت سنته صلى الله عليه وسلم هي المصدر الثاني للتشريع. وقلنا: إن هداية الحق سبحانه للعبد هداية بيان وإرشاد ودلالة، فإن أطاع استحق هداية التوفيق والمعونة

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٤٥