ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
[النور: 40]. قلنا: والإنسان ينير مجال حركته في الحياة على قدره، فواحد ينور حياته بشمعة، وآخر بلمبة جاز، وآخر بالكهرباء وهكذا، لكن إذا سطعت الشمس غطى نورها على كل الأنوار كأنها تقول لنا: أطفئوا أنواركم فقد جاءكم نور الله، وحين نرتقي من النور المادي إلى النور القيمي نقول: إذا جاءكم نور المنهج من الله فأوقفوا كل مناهجكم. وإذا جاءكم الحكم من الله فأوقفوا كل أحكامكم وكل آرائكم ومقترحاتكم، ففي شرع الله ما يغنيكم عن كل هذا، فكما أنك لا تحتاج إلى ضوء مصباحك أثناء النهار، كذلك لا تحتاج إلى أي منهج آخر مع منهج الحق سبحانه فاستغنوا به عن غيره. فإذا ما قارنت نور الله بنور البشر ظهر لك الفرق واضحا، في النور المادي والمعنوي، فأنت تأتي بالشمعة مثلا وتضع فيها فتيلا، وتأتي بالكبريت لتشعلها، ومع ذلك لو هبت عليها ريح تطفئها، واللمبة الكهرباء تحتاج إلى أدوات لصناعتها وإلى ترانس ينظم الكهرباء وخلافه وبعد شهر تحتاج غيارا، ولو زاد عليها التيار تحترق وهكذا. أما الشمس فتضيء العالم كله، لا تحتاج منك إلى مزاولة شيء ولا إلى قطعة غيار ولا صيانة، ثم إن ضوءك يعمر بقدر عمرك، أما ضوء الشمس فباق دائم دوام الكون وبقاء الدنيا من قبل آدم وإلى قيام الساعة.
كذلك الفرق واضح في النور المعنوي، فأنتم ترون مناهج البشر وقوانينهم لا تخلو من أخطاء ومن سلبيات، فإن ناسبت جماعة تعارضت مع جماعة أخرى، لذلك نراهم يلجأون إلى تغيير هذه القوانين من حين لآخر، فهي مناهج قاصرة قصور البشر. أما مناهج السماء فهي كاملة خالية من الأخطاء تراعي كل الظروف، وتصلح لكل زمان ولكل مكان، لأنها جاءت من الله العليم بحال خلقه، الخبير بما يصلحهم، وبما يقيم حياتهم. إذن: الحق سبحانه ما كان ليمنحنا النور المادي ويحرمنا النور المعنوي لأنه أهم وأقوى في حياتنا من النور المادي، ألا ترى أن الأعمى يستطيع أن يتحسس طريقه، ويستطيع أن يأتي بمن يقوده ويوصله إلى غايته. أما من فقد النور المعنوي فتراه يتخبط في متاهات الحياة دون هدى، وينتهي به الحال لا محالة إلى الضياع، ثم إن نور المادة مرتبط بها ويفنى بفنائها، أما نور القيم فباق ممتد من الدنيا إلى الآخرة، وهو أصل الخلافة في الأرض. لذلك الحق سبحانه يشرح لنا هذه المسألة في سورة النور، فيقول سبحانه:
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم
[النور: 35]. فمعنى
نور على نور
[النور: 35] يعني: نور الهداية والقيم على نور المادة لتسير في دنياك على هدى وعلى بصيرة، وتسلم من الانحراف والضلال في الدنيا، ثم يوصلك هذا النور إلى سلامة الآخرة والفوز فيها، وهذا مثل ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ [النور: 35] ليوضح لهم ما خفي عليهم، فالنور المادي دليل على المعنوي، والمؤمن يرتقي من النور المادي إلى النور المعنوي. ثم يبين لنا الحق سبحانه مصدر هذا النور في الآية التي بعدها:
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال
[النور: 36] يعني: يا من أردت هذا النور المعنوي فالتمسه في بيوت الله فهي مصدر إشعاعه، التمسه في الصلاة وفي ذكر الله وفي تنفيذ المنهج الذي جاءك من الله. فالقرآن إذن نور عام حين نوظفه يعطينا نورا آخر هو نور الطاعات والعبادات، وأسمى مصدر لهذا النور هو المسجد. لذلك العلماء لما بحثوا في متعلق الجار والمجرور في
في بيوت..
[النور: 36] قالوا هذا متعلق بقوله
نور على نور
[النور: 35] كأنك تقول: نور على نور في بيوت أذن الله أن ترفع وهي المساجد. وهذه البيوت متصل فيها تسبيح الصباح بتسبيح المساء، وعمار هذه المساجد يوصفون بأنهم ﴿ رجال ﴾ [النور: 37] نعم ومن الرجال إذا لم يكن هؤلاء؟ إذن: الحق سبحانه يعطينا النور المعنوي المتمثل في منهجه تعالى بافعل ولا تفعل، وبهذا المنهج تستقيم بالبشر أمور الحياة، لكن سرعان ما يحدث منهم غفلة أو نسيان أو انفلات من هذا المنهج فيقعون في المعصية، وتطرأ عليهم أقضية جديدة ومشاكل بقدر انفلاتهم وما يحدثون من الفجور ومخالفة المنهج.