تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الكهف: 66-67] ذلك لأنك سترى أمورا لا تعجبك وأفعالا لا تدرك أنت حكمتها

وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا

[الكهف: 68-70]. ثم تبدأ الرحلة وينطلق موسى في صحبة العبد الصالح، وأول حدث بينهما كانت السفينة

فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا

[الكهف: 71]. هذا أول اعتراض من موسى، لأن الفعل في ظاهره غريب يستحق الاعتراض.

قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا

[الكهف: 72-74] يعني: منكرا. نعم موسى لم يستطع أن يصبر وهو يرى هذا الفعل العجيب المنكر في نظره

قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا

[الكهف: 75-77]. وكانت هذه هي الثالثة، وتحقق الشرط الذي قطعه موسى على نفسه، فقرر العبد الصالح مفارقته، لكن قبل أن يفترقا قال له: تعال أوضح لك ما لم يحتمله صبرك في هذه الأحداث:

قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا * أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا

[الكهف: 78-79] أي: يأخذ كل سفينة صالحة. ولا شك أن خرق السفينة مصيبة لأصحابها في ظاهر الأمر، لكن لله تعالى فيها حكمة، حيث كان وراء هؤلاء المساكين ملك ظالم يأخذ كل سفينة جيدة ويغتصبها، فأردت أن أحدث بها عيبا حتى لا يأخذها. إذن: فنحن هنا لا نقارن بين سفينة مخروقة وسفينة صالحة، إنما بين سفينة مخروقة وعدم وجود سفينة أصلا، فخرق السفينة أهون بالنسبة لأصحابها من أخذها كلية، ثم بإمكانهم أن يصلحوها بعد ذلك، المهم أن تسلم لهم من هذا الملك.

وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما

[الكهف: 80-81] ففي علم الله تعالى أنه سيكون ولدا عاقا يحدث فتنة لأبويه، كما قال سبحانه:

يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم..

[التغابن: 14] فكان في القضاء عليه حكمة. فإن قلت: فما ذنب الغلام يقتل وهو صغير؟ قالوا: لا ذنب له لكنه لم يخل من مصلحة وخير يلحقه هو أيضا حيث أخذ وهو صغير، فقد اختصرنا له الحياة فلم يعان فيها، ولم يقترف شيئا من سيئاتها، ومات قبل سن التكليف فلن يحاسب على شيء، ثم سيكون في عداد الشهداء، ومسكنه في الجنة يتجول فيها حيث أراد ويدخل منها أي مكان حتى على رسول الله، فهو من دعاميص الجنة، إذن: فقتله جاء رحمة به.

وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا

[الكهف: 82]. أولا عرفنا أن هذه القرية فيها ناس لئآم لا خير فيهم، بدليل أنهم منعوهما الطعام ومنع الطعام فيه لؤم وخسة، لأن الذي يسأل الطعام غير الذي يسأل المال، الذي يسألك مالا ربما ليكنزه، أما سؤال الطعام فلا يكون إلا عن حاجة. لذلك قالوا: أصدق سؤال من يسألكم طعاما، فلما منعوهما الطعام كان أمرا عجيبا أن يبني لهم العبد الصالح الجدار، فما قصته؟ كان الجدار لغلامين يتيمين في المدينة، وتصور حال اليتيمين بين هؤلاء اللئام، كيف لو ظهر لهم هذا الكنز؟ وقد فهمنا من هذه المسألة أن صلاح الآباء ينفع الأبناء، وأن الغلامين كانا توأما، بدليل قوله تعالى

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٢٧