تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا..

[المائدة: 48]. إذن: فلكل نبي شريعة، وعند محمد أشياء غير ما وصى به. وللرد على الشبهة الأولى نقول: إن الحق سبحانه وتعالى له أشياء ضرورية، ألزم بها جميع الرسل في موكب الرسالات، فهم جميعا متفقون في هذه الأمور، أولها التوحيد وعدم الشرك بالله، ثم الإيمان بالكتب السماوية وبالرسل، ثم الإيمان بالبعث. فهذا قدر مشترك عند جميع الرسل لا يتغير، لأنها ثوابت الدين وأعمدته، وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى.. ﴾ [الشورى: 13]. فالوصية هنا بالأشياء الضرورية والثابتة في كل الأديان السماوية، فالتوحيد دعوة كل رسل الله، والصلاة وجدناها في كل الشرائع السابقة، وكذلك الزكاة، لذلك لا يمكن أبدا أن تخلو رسالة من الرسالات من هذين الأمرين. ففي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع علل ذلك بقوله:

ربنا ليقيموا الصلاة

[إبراهيم: 37] ويقول تعالى في نفس القصة:

وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين والركع السجود

[الحج: 26]. وفي قصة سيدنا شعيب عليه السلام يقول له قومه:

قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ..

[هود: 87]. وفي قصة سيدنا زكريا عليه السلام:

فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب..

[آل عمران: 39]. والزكاة كذلك من الثوابت التي جاءت في كل الأديان، اقرأ مثلا قوله تعالى:

قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى

[الأعلى: 14-19]. كذلك اتفقت كل الأديان السماوية في تطهير النفس والجوارح من الآثام والمعاصي التي تضر بالنفس وبالمجتمع، لأن التخلية من الآثام تسبق التحلية بالطاعات. خذ الجوارح من أول القلب إلى القدم تجد كل الأديان السماوية تدعو إلى تطهيرها، فالقلب وهو قائد الجوارح والأم بينها، لذلك قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".

ومطلوب للقلب عدة أشياء: أولا: عدم الإشراك بالله، ثم عدم الإصرار على المعصية، ثم لا يأمن مكر الله ولا يقنط من رحمة الله. هذه كلها عقيدة ينبغي أن تستقر في القلب. كذلك اللسان وهو عمدة البيان والتبليغ يجب أن يتطهر من عدة أشياء: أولها: شهادة الزور، ثم قذف المحصنات، ثم اليمين الغموس وهو يمين ليس له كفارة، ثم يتطهر اللسان من أن يقول الطلاسم التي يقولها السحرة.

تعال إلى البطن ينبغي أن تتطهر وتبرأ من عدة أشياء: شرب الخمر، أكل الربا، أكل مال اليتيم. وكذلك اليدان تبرأ من السرقة ومن القتل. وكذلك العورات تبرأ من الزنا وغيره مما حرمه الله عليها، وكذلك الرجلان تبرأ من التولي يوم الزحف، ومن السعي إلى كل ما هو محرم. ومن هذه الثوابت عقوق الوالدين، فهو محرم في كل الأديان كذلك وهو عام في كل الجوارح، وقد حرمه الحق سبحانه لأن بر الوالدين تدريب ورياضة لطاعة الله، ذلك لأن الوالدين سبب الوجود المباشر، والحق سبحانه وتعالى سبب الوجود غير المباشر. فكأن طاعة الوالدين وبرهما باب ومدخل لطاعة الله. وهذا البر محفوظ لهما، حتى وإن كانا مشركين:

وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..

[لقمان: 15]. لذلك الحق سبحانه وتعالى يعلمنا بر الوالدين في موكب الرسالات كلها، ففي قصة سيدنا عيسى عليه السلام، ولأنه جاء من أم بلا أب، وقد تكون هذه المسألة مدخلا من مداخل الشيطان على سيدنا عيسى، فيوصيه ربه بأمه فقط:

وبرا بولدتي ولم يجعلني جبارا شقيا

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٠٨