كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب..
[النساء: 56]. هكذا قال الله تعالى، وهكذا نقلها القرآن لنا لم يخبرنا شيئا عن مراكز الألم والإحساس، وكنا لا نعلم شيئا عنها، حتى جاء علماء وتخصصوا في وظائف الأعضاء، وبعد بحوث وتجارب توصلوا إلى أن الجلد هو المسئول عن الإحساس، فقد لاحظ الألمان أن المريض حين نعطيه حقنة مثلا لا يشعر بالألم إلا بمقدار ما تنفذ الإبرة من طبقة الجلد، فأخذوا من ذلك أن الجلد هو محل الإحساس، وليس المخ أو النخاع الشوكي كما قال البعض. أخذ علماء الشرع هذه القضية، وجعلوها دليلا على قول الحق سبحانه:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها..
[النساء: 56] لماذا يا رب؟
ليذوقوا العذاب..
[النساء: 56] فالجلد محل الإذاقة، وهكذا ساعدني العلم الكوني في إثبات صدق القرآن الكريم، وأنه حق. كذلك نفعنا العلم الكوني في إثبات كروية الأرض، وأنها تدور حول الشمس، فالحق سبحانه أخبرنا أن الليل والنهار خلفة أى: يخلف كل منهما الآخر، وهذا واضح لنا الآن في تعاقب الليل والنهار، لكن ماذا كان أول الخلق لو أن النهار خلق أولا يعني: خلقت الشمس مواجهة للأرض ثم غابت، فجاء الليل، فالنهار في هذه الحالة ليس خلفة لليل، لأن النهار جاء أولا لم يسبقه ليل فليس خلفة.
وعليه فلا بد أن تكون الأرض خلقت على هيئة كروية، ما قابل الشمس منها يكون النهار فيه، وما لم يقابل الشمس يكون الليل فيه، فهما معا في وقت واحد، فلما دارت الشمس تعاقب الليل والنهار، وخلف كل منهما الآخر، فلا تتأتى هذه الخلفة إلا بكروية الأرض. فقوله تعالى: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم.. ﴾ [سبأ: 6] أي: العلم الشرعي المنزل من أعلى، أو العلم الكوني القائم على البحث والمشاهدة. وقوله ﴿ أوتوا العلم.. ﴾ [سبأ: 6] سواء كان علما شرعيا، أو علما كونيا يدل على أن العلم إيتاء، فليس هناك عالم بذاته، إنما العلم إيتاء من الله حتى فى علم الكونيات لذلك لم يقل علموا، إنما ﴿ أوتوا العلم.. ﴾ [سبأ: 6]. لذلك قالوا: إن كان العلم نعمة من الله، فكذلك النسيان قد يكون نعمة، وجنديا يخدم الإنسان، فنحن نعرف مثلا الخميرة التي تخمر العيش، إذا وجدت رغيف العيش مبلط يعني: وجهه ملتصق بظهره ترده للبائع وتطلب الرغيف القابب هذا ما تفعله الخميرة في رغيف العيش تجعل الهواء يدخل بين ذرات العجين، فحين تدخله النار يتمدد هذا الهواء فيحدث فاصلا بين وجه الرغيف وظهره. وهذه الخميرة هي التي تعطى للعيش طعمه المميز، فهل تعرف من أين جاءت هذه الفكرة؟ جاءت نتيجة نسيان، فيروى في هذه المسألة أن امرأة عجنت العجين، ثم انشغلت عن خبزه بعض الوقت ونسيته، فلما تذكرت جاءت إليه وخبزته كما هو، فوجدت هذا الفرق بين العجين حين يخبز سريعا، وحين يترك حتى يختمر، وكانت هذه بداية فكرة الخميرة، وكأن كل قطعة خميرة نأكلها الآن هي في الحقيقة جزء من خميرة هذه المرأة. كذلك يقال في سبب شواء اللحم أن الإنسان أولا كان يأكل اللحم نيئا، وقد ذبح رجل شاة بالليل، وأوقد نارا يستدفئ بها، فجاء ذئب ينازعه الشاة، فدخل معه في معركة، فوقعت قطعة لحم في النار، فلما خلص من الذئب شم رائحة الشواء فأعجبته، ومن هنا عرف الإنسان كيف يشوي اللحم. إذن: الحق سبحانه يهدي خلقه ولو بالنسيان، ولو بالمصادفة، فالعلم حتى الكوني منه إيتاء من الله، وكل قضية كونية لا يعطيك الله علمها مباشرة، يعطيك المقدمات التي توصل إليها، وتهدي إلى معرفتها. وكنا ونحن نتعلم الهندسة ندرس كتابا اسمه هول ونايت نتعلم كيف نبرهن على صحة النظرية، فمثلا النظرية المائة نبرهن عليها بما ثبت في النظرية التسعة والتسعين وهكذا، فحين تسلسل هذه المسألة نصل إلى النظرية، رقم واحد، كيف نبرهن على صحتها؟ قالوا: البرهان عليها بدهية في الكون، فكأن كل علم وصل إلينا أصله بدهية مخلوقة لله تعالى، إذن: فالعلم سواء أكان شرعيا أو كونيا إيتاء من الله لذلك قال سبحانه: