" الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ".
إذن: لا بد أن تبقى فينا هذه القلة كنماذج وخليات للخير، ولاستبقائه بين الناس مهما أظلمت الدنيا من حولهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد... ﴾.
34.29-30
المتأمل في كتاب الله يجد الحق - سبحانه وتعالى - لم يجعل القرآن أبوابا منفصلة، هذا للصلاة، وهذا للزكاة، وهذا للربا... إلخ إنما يخلط هذه الأحكام في نسق رائع، ومزيج مشوق، يراوح بين الأساليب، فلا يمل منه قارئه، ولا يزهد. القرآن ليس كتاب قانون، يفرد فصلا لكل جريمة، إنما يتناول الجريمة بأسلوب فريد، فيذكر الجريمة ويفظعها ويبين أثرها، حتى إذا ما قرر العقوبة عليها تجد هذه العقوبة طبيعية تتقبلها النفوس لأن صاحب العقوبة يستحقها. يقول تعالى حكاية عن الكافرين: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد.. ﴾ [سبأ: 29] والوعد لا يكون إلا بالخير، والوعيد يكون بالشر، وعجيب أن يسمى الكفار القيامة وعدا، فكان ينبغي أن يقولوا متى هذا الوعيد، أو: أن الله تعالى لوى ألسنتهم ليقولوا كلمة الحق، فهو بالفعل وعد حق من الله، وإن كان في حقهم وعيدا. والوعد من الله فيه أشياء كثيرة، خاتمته البعث والحساب، ثم الجنة أو النار. لكن هل وعد الله لا يتحقق إلا في الآخرة؟ قالوا: لا بل يرون شيئا منه في الدنيا، وإلا لو تركهم الله سالمين إلى أن يعاقبهم في الآخرة لاستشرى فسادهم، ولعربد غير المؤمنين دون رادع لهم. لذلك من حكمته تعالى أن يعجل لهم شيئا من وعده، فيرونه في الدنيا، كما قال تعالى:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] وفعلا، جاء يوم بدر وهزمهم الله، وقتل منهم من قتل، وأسر منهم من أسر، فكما صدقت فيهم المقدمات، فسوف تصدق المتواليات في الآخرة. لذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:
فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون
[غافر: 77]. فمن لم يتحقق فيه وعد الله في الدنيا وتشاهده بعينيك، فموعده الآخرة، وإلا فهناك من الكفار من مات قبل بدر، ولم يشهدوا انتصارات المسلمين وفتوحاتهم، ولم ينلهم شيء من عقاب الدنيا. وقولهم: ﴿ متى هذا الوعد.. ﴾ [سبأ: 29] استبطاء للعذاب. ثم يأمر الله تعالى نبيه أن يرد عليهم: ﴿ قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ﴾ [سبأ: 30] هو يوم النصر عليهم، كما في يوم بدر، حيث أذاقهم الله الذلة والهوان والموت، وقضى على جبروتهم، أو هو يوم القيامة. والذي ضرب لكم هذا الميعاد هو القادر على إنفاذه، وليست هناك قوة تمنعه سبحانه أن يفي بما وعد، أو حتى يؤخره لحظة واحدة، وهو سبحانه العليم بأن الآيات الكونية لا تشذ عما أراد سبحانه. وسبق أن بينا أن البشر حين يعدون لا يملكون أسباب الوفاء بوعودهم، لذلك علمنا ربنا - عز وجل - أن نحتاط لذلك فقال سبحانه:
ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 23-24]. لأن الله يحب لعبده أن يكون صادقا، فحين يعلق فعله على مشيئة الله يعفي نفسه من الكذب وإخلاف الوعد حين عدم الوفاء خاصة، وهو لا يملك عنصرا واحدا من عناصره، إذن: اطرح المسألة على من يملك كل هذه العناصر لذلك نسمي الوعد من الناس وعدا ومن الله الوعد الحق يعني: الذي لا يتخلف أبدا. ومعنى ﴿ لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ﴾ [سبأ: 30] أنه ميعاد مضبوط، وكان الحق سبحانه يريد بذلك أن يستقبل الإنسان كل المعطيات التي منحه الله، وأن تظل دائما في ذهنه لا يغفل عنها. وجاء يوم نكرة مبهمة، والإبهام هنا هو عين البيان، كما سبق أن أوضحنا، فحين يبهم الله مثلا أجل الإنسان يظل دائما متذكرا له، ينتظره في أي وقت، ويتوقعه في كل نفس، وفي كل لحظة دون أن يربطه بمرض أو غيره، فالموت من دون أسباب هو السبب. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه... ﴾.