34.2
معنى ﴿ يلج.. ﴾ [سبأ: 2] يدخل، ومنه قوله تعالى:
يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل..
[فاطر: 13] يعني: يدخل كلا منهما في الآخر، فزيادة الليل تنقص من النهار، وزيادة النهار تنقص من الليل لذلك نرى اختلاف المواقيت. لكن، ما الذي يدخل في الأرض - في حدود ما تراه أنظارنا -؟ هناك أشياء تدخل في الأرض لا دخل لنا بها كماء المطر مثلا حين ينزل من السماء، نأخذ منه حاجاتنا، ويتسرب منه جزء في باطن الأرض، كما قال تعالى:
فسلكه ينابيع في الأرض..
[الزمر: 21]. ويدخل في الأرض الحبة التي نزرعها، فينشأ عنها الاقتيات الذي يضمن لنا بقاء الحياة، وهذه الاقتيات يأتي من مضاعفة الحبة إلى أضعاف كثيرة، كذلك يدخل في الأرض الميت الذي نستودعه الأرض بعد أن يموت، ولك أن تلحظ وجه الشبه بين الحبة تزرعها، والميت تدفنه في ضوء قوله تعالى:
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
[طه: 55]. فكما أن الحبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، كذلك يجب أن نقيس المتواليات الذهنية فنقول كذلك حين أدخل أو أدفن في الأرض بعد الموت: أخرج بحياة أخرى أكثر نماء من حياتي في الدنيا، وأكثر خيرا فضلا عما سترته الأرض من سوءاتي. وقوله سبحانه: ﴿ وما ينزل من السمآء.. ﴾ [سبأ: 2] ما الذي ينزل من السماء؟ ينزل منها المطر لاستبقاء الحياة، وبالماء حياة كل شيء حي، هذا في مادة تكوينك، أما في حياتك الروحية فتنزل الملائكة بالقيم وبالمنهج الذي به تحيا الأرواح والقلوب، وتنزل الملائكة المدبرات أمرا، التي تدبر شئون الخلائق، والتي قال الله فيها:
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..
[الرعد: 11]. والبعض لا يفهم معنى الآية، فيقول: كيف تحفظه الملائكة من أمر الله؟ يريدون أن أمر الله ينبغي أن ينفذ، فكيف يحفظونه منه؟ والمعنى: يحفظونه حفظا صادرا من أمر الله، ليس تطوعا من عندهم. والحق سبحانه يرينا قدرته في إنزال المطر حينما نجري عملية تقطير الماء في المعامل والأجزاخانات، انظر كم يتكلف كوب الماء المقطر، وكم يأخذ من الوقت والجهد، أما المطر فتقطره لك قدرة الله دون أن تشعر أنت به، فحرارة الشمس تبخر الماء الذي يكون السحب، ثم تسوقه الرياح إلى حيث شاء الله له أن ينزل، ومن حكمته تعالى أن جعل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء لتتسع مساحة البخر، فيكفي المطر حاجة الأحياء. ومثلنا لهذه الظاهرة بكوب الماء الذي تتركه لمدة شهر، فلا ينقص إلا عدة سنتيمترات، أما إن سكبته في أرض الحجرة فإنه يجف قبل أن تغادرها، لماذا؟ لأنك وسعت المساحة التي يتبخر منها الماء.
وماء المطر هو الماء العذب الزلال الذي يشرب منه الإنسان والحيوان والطير، ونسقي منه الزرع ومشارف الأرض، وما تبقى يسلكه الله في جوف الأرض لحين الحاجة إليه، فالمطر آية من آيات الله الدالة على قدرته تعالى. ثم يقول سبحانه: ﴿ وما يعرج فيها.. ﴾ [سبأ: 2] أى: يصعد، وقد أشار القرآن إلى هذه المسألة في قوله تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه..
[فاطر: 10] أى: تصعد آثار التكليف المنهجي من الله تعالى. لكن نلحظ في أسلوب ﴿ وما يعرج فيها.. ﴾ [سبأ: 2] استخدام حرف الجر في ولم يقل يعرج إليها، نعلم أن الحرف يدل على معنى في ذاته، لكن هذا المعنى لا بد له من ضميمة شيء إليه، ليعطي معنى يفهم، فالحرف في يدل على الظرفية، كما تقول: ماء في الكوب، أما لو قلت في مستقلة بذاتها، فإنها لا تدل على شيء. والعلماء حينما استقبلوا كثيرا من الأساليب وجدوا بها حروفا ظنوا أنها زائدة، أو أنها بمعنى حرف آخر، كما قالوا في معنى: ﴿ وما يعرج فيها ﴾ [سبأ: 2] أن في هنا بمعنى إلى، لكن لماذا عدل الأسلوب عن إلى إلى في؟ إذن: لا بد أنها تحمل معنى الظرفية. وللتوضيح نذكر ما قلنا في قوله تعالى: