34.10-11
بعد أن فتح الحق سبحانه باب التوبة لعباده، وأعطاهم الأمل حتى الكافرين منهم، وبعد أن فعلوا برسول الله ما فعلوا، وسعوا في آيات الله معاجزين ما يزال الحق سبحانه رحيما بهم، حريصا عليهم، فيلفت أنظارهم إلى واسع رحمته. وكأنه سبحانه يقول لهم: لا تستكثروا أفعالكم وذنوبكم أمام رحمة الله، ولا تصدنكم هذه الذنوب عن التوبة والعودة إلى الله، وإن كنتم أذنبتم، فمن الرسل من حدثت هفوة من بعضهم مع أنهم أنبياء، فكأن الحق سبحانه مع هذا كله يلتمس لهم عذرا. لذلك ذكر بعدها حكاية سيدنا داود: ﴿ ولقد آتينا داوود منا فضلا.. ﴾ [سبأ: 10] وفي موضع آخر بين ما كان من أمر سيدنا داود:
وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب
[ص: 24]. إذن: لا تخجلوا أن تنيبوا إلى الله لأن سيدكم الذي أعطيته كذا وكذا لما حدثت منه هفوة استغفر وخر راكعا وأناب، يريد سبحانه أن يحنن قلوبهم ليعودوا إلى أحضان ربهم. كذلك سيدنا سليمان حدثت منه هفوة، فابتلاه الله وعاقبه، فتاب واستغفر، واقرأ:
ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا..
[ص: 34] والجسد يعني: أنه أصبح لا يستطيع الحركة في ذاته
ثم أناب * قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب
[ص: 34-35] فماذا كان من أمره بعد أن استغفر
فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب * والشياطين كل بنآء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد
[ص: 36-38]. لذلك يقال: إن سيدنا سليمان ركب البساط مرة، فداخله شيء من الزهو أو الإعجاب، فمال به البساط، فقال له: اعتدل يا بساط، فقال: أمرنا أن نطيعك ما أطعت الله. والمعنى: أنك ما سخرتنا، إنما سخرنا الله لك. ومعنى الفضل الشيء الزائد، وقد أعطى الله داود عليه السلام نعما كثيرة لم يعطها لكثير من الأنبياء، أعطاه الاصطفاء وأعطاه المنهج، وزاده نعمة أخرى خاصة به، وهي أنه ألان له الحديد، كما قال سبحانه: ﴿ وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات.. ﴾ [سبأ: 10-11]. وكلمة ﴿ منا.. ﴾ [سبأ: 10] دلت على أن النعمة ليست من ذاتك، إنما من الله، فتقديم الجار والمجرور هنا أفاد قصر النعمة على المنعم سبحانه، ومثلها الجار والمجرور في قوله تعالى في قصة سيدنا موسى عليه السلام:
وألقيت عليك محبة مني..
[طه: 39]. كأن الحق سبحانه يقول لنبيه موسى عليه السلام: لقد أخذك آل فرعون، والتقطوك من اليم في وقت كانوا يقتلون فيه الأطفال، وقد جئتهم في صورة تدعو إلى الشك، لكنهم أحبوك، ورأوا فيك قرة عين لهم، وأنت وقتها أسمر اللون، كبير الأنف، جعد الشعر يعني: ليس فيك ما يلفت النظر، لكن تذكر أني ألقيت عليك محبة مني أنا، فأحبوك.
والفضل من الله يأتي الناس جميعا، لكن الرسل لهم نعم متميزة، وفضل أعظم في صورة معجزات، ويبين الحق سبحانه فضله على نبيه داود بقوله: ﴿ يجبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد ﴾ [سبأ: 10]. يا جبال نداء، فالله ينادي الجبال لأنها تسمع وتعي هذا النداء ﴿ أوبي.. ﴾ [سبأ: 10] يعني: رجعي معه ما يقول وما يقرأ من الزبور أو من الذكر، وهنا دليل على أنه يفهم قول الجبال، وأنها تفهم قوله، وتردد خلفه، إذن: للجبال منطق ولغة أفهمها الله نبيه داود. وقد تناولنا مسألة تسبيح الجمادات لما تعرضنا لقوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44] ورددنا قول من قال إنه تسبيح الحال لا تسبيح المقال لأن الله قال
ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44] وما دام قد حكم سبحانه أننا لا نفقه تسبيحهم، فهو تسبيح بالقول. والذين قالوا بتسبيح الدلالة استعظموا أن يكون للجبل كلام ولغة وتفاهم، لكل هل للجبل كلام معك أنت؟ للجبل كلام مع ربه وخالقه الذي قال:
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير