34.16-17
قوله تعالى: ﴿ فأعرضوا.. ﴾ [سبأ: 16] أي: عن المأمور به، وهو
كلوا من رزق ربكم واشكروا له..
[سبأ: 15] فلم يأكلوا من رزق الله، إنما أكلوا من سعيهم ومهارتهم - على حد زعمهم - وهذه أول الخيبة، ثم لم يشكروا الله على هذه النعم لأن النعم أترفتهم فنسوا شكرها. وفرق بين ترف وأترف، نقول: ترف فلان أن تنعم. لكن أترف فلان، أي: غرته النعمة لذلك قال تعالى:
وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
[الإسراء: 16]. فلا بأس أن تتنعم، لكن المصيبة أن تطغيك النعمة، وتغرك، وأول طغيان بالنعمة أن تنسبها إلى نفسك فتقول: بمجهودي وشطارتي كالذي قال:
إنمآ أوتيته على علم عندي..
[القصص: 78] ثم أن تنسى المنعم، فلا تشكره على النعمة. وفي موضع آخر لخص لنا الحق سبحانه هذه القضية في قوله سبحانه
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
[النحل: 112]. وقال في قوم سيدنا نوح عليه السلام:
وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء غدقا
[الجن: 16]. إذن: صيانة النعمة بشكرها والاعتراف بها كلها منسوبة إلى المنعم سبحانه، وحتى نحن على مستوى البشر نقول: فلان هذا حافظ للجميل، فنزيده ولا نبخل عليه بجميل آخر وآخر، فما بالك بالحق سبحانه وتعالى؟! وكلمة الإعراض تعطي شيئا فوق الإهمال وفوق النسيان لأن الإعراض أن تنصرف عن محدثك وتعطيه جانبك كما تقول لمن لا يعجبك حديثه اعطني عرض كتافك. إذن: الإعراض ترك متعمد بلا مبالاة، أما السهو أو النسيان أو الخطأ أو عند النوم، فهذه كلها أمور معفى عنها، قد رفعها الله عنا رحمة بنا، فربك عز وجل لا يعاملك إلا على اليقظة والانتباه وتعمد الفعل. واقرأ إن شئت قول ربك:
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى
[طه: 124]. لماذا؟ لأن الإعراض فيه شبهة عدم اعتناء بالآمر، فالنكبة فيه أشد على خلاف أن تكون معتنيا بالآمر، وبعد ذلك تتهم نفسك لأي سبب آخر. ويقول تعالى أيضا في الإعراض:
وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه..
[فصلت: 51] وسوف يأتي الجزاء على قدر الإعراض، كما بين الحق سبحانه في قوله:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم..
[التوبة: 34-35]. كما نقول: أنت ربيت من سيقتلك فيما بعد، كذلك هؤلاء كنزوا الأموال ليتمتعوا بها قليلا في دنيا فانية، ثم يلاقون تبعة ذلك يوم القيامة، نار تكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم، حتى يتمنى الواحد منهم - والعياذ بالله - لو أنه قلل منها حتى يقلل من مواضع الكي.
وتأمل هذا الترتيب: جباههم وجنوبهم وظهورهم، فسوف تجده نفس ترتيب الإعراض عن المحتاج الذي سأل صاحب المال في الدنيا، فأول ما يراه يشيح عنه بوجهه، ثم يعطيه جانبه، ثم يدير إليه ظهره، فيأتي الجزاء من جنس العمل وبنفس تفاصيله. فماذا كانت نتيجة هذا الإعراض؟ يقول تعالى: ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم.. ﴾ [سبأ: 16] أي: بعد أن انهار سد العرم، فسال ماؤه، فأغرقهم، ومن العجيب أن الله تعالى جعل من الماء كل شيء حي، لكن إذا أراده سبحانه وسيلة هلاك أهلك، وبه أهلك الله قوم نوح، وبه أهلك فرعون وجنوده، وهذا من طلاقة قدرة الله، حيث يوجه الشيء للحياة فيحيى، وللهلاك فيهلك. وبعد أن أفزعهم سيل العرم لماذا أرادوا الإقامة بعد ذلك أقاموا في أماكن لا ماء فيها، فإذا أرادوا الماء جلبوه من الآبار بالقرب، وكأن الماء أحدث لديهم عقدة. وهذه القضية القديمة لها عندنا قصة حديثة: كنا ونحن في الأزهر نلبس القفاطين و الكواكيل، وكان لنا زميل حالته رقيقة، وكان لا يملك إلا كاكولة واحدة لبسها حتى بليت وتمزقت، فكان يمد يده من وقت لآخر إلى مكان القطع ويحاول أن يداريه، حت صارت عادة عنده، ثم رزقه الله بأخ له توظف واشترى له كاكولة جديدة، فلما لبسها صارت يده تمتد إلى نفس الموضع، وتحاول ستر القطع الغير موجود في الجديدة، فقال له أحد الزملاء: ما لك؟ فقال: القديمة رعباني. والسيل: أن يسيل الماء على وجه الأرض بعد أن تشربت منه قدر حاجتها، فما فاض عليها سال من مكان لآخر، والحق سبحانه يعلمنا: قبل أن نبحث عن مصادر الماء لا بد أن نبحث عن مصارفه حتى لا يغرقنا، واقرأ: