34.21
لما أغوى إبليس بني آدم هل لهم عذر في هذا الإغواء؟ وهل الذنب هنا ذنب إبليس؟ الحق سبحانه يخبر عنه وعنهم هذا الخبر في سياق قصة سبأ: ﴿ وما كان له عليهم من سلطان.. ﴾ [سبأ: 21]، وقد التقط إبليس هذه العبارة وجعلها حجة له يوم القيامة، فإذا قال له البشر يوم القيامة: أنت سبب ضلالنا وغوايتنا قال:
وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..
[إبراهيم: 22]. يعني: لا تلوموني ولا تظلموني، فقد كنتم على تشويره مني، وليس لي عليكم من سلطان: لا سلطان قوة أقهركم بها وأجبركم على طاعتي، ولا سلطان حجة أقنعكم به، والفرق بين سلطان القهر وسلطان الحجة أنك تفعل مع الأول وأنت غير راض فأنت مكره، أما مع سلطان الحجة والمنطق فإنك تفعل ما يطلب منك عن رضا واقتناع. وربنا عز وجل حذرنا من إبليس ووسوسته ونزغه، وعلمنا أننا لن نقهره إلا بالله خصوصا بهذه الروشتة التي قال الله فيها:
وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله..
[فصلت: 36]. مجرد أن تذكره بالله يخنس ويهرب ويتراجع، فهو يقدر عليك وحدك، فإن لجأت إلى ربك خاف وفر لأنه لا قدرة له، ولا كيد مع ذكر الله، لذلك قال بعض العارفين: قل هذه الكلمة بقوة وكأنك تراه وتصرعه. فماذا نفعل إن جاء لأحدنا وهو يقرأ القرآن؟ قالوا: يقطع قراءته، ويقول بصوت أعلى وبأسلوب مغاير لقراءته: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقد حاولنا أن نقرب هذا المعنى لأذهان الناشئة فقلنا: لو أن أحد الأغنياء مثلا يجلس في الشرفة ليلا، فرأى لصا يحاول دخول بيته، فقام من مكانه، وقال إحم ماذا يصنع اللص؟ يهرب، فإن قال في نفسه لعلها مصادفة، ثم عاد في الليلة التي بعدها، فتنبه له صاحب البيت، وقال إحم عندها يفر بلا عودة، فصاحب البيت متنبه غير غافل. كذلك، قول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يفزع الشيطان ويطرده، فإن عاد إليك مرة ومرة فقل كلما شعرت بوسوسته ونزغاته: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، عندها سيعلم أنك فقسته، وأنه لا مدخل له إليك. وقد عرف الشيطان حين جادل ربه من أين يدخل على ابن آدم، فقال:
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16] فهو كما ذكرنا، لا يقعد في خمارة مثلا، إنما يقعد في المسجد، فهو يعلم أنك في عبادة، وكل مناه أن يفسد عليك عبادتك، ألا تراه يذكرك في الصلاة ما نسيت من مهمات الحياة، وعلى المؤمن أن يقدر موقفه بين يدي الله، وألا ينشغل بأي شيء وهو في حضرة ربه. فالصلاة هي الصراط المستقيم الذي سيقعد لك الشيطان عليه لذلك علمنا فقهاؤنا - رحمهم الله ورضي الله عنهم - أن نغيظ الشيطان، فإذا وسوس لك في الصلاة بحيث لا تدري، أصليت ركعتين أم ثلاثا، فاعتبرها ركعتين وابن على الأقل، كذلك في الوضوء وأمثاله من العبادات، لتغيظه وتيئسه منك.
وظاهرة السهو في الصلاة في الحقيقة ظاهرة صحية فهي الإيمان، فلا تمرض نفسك بها، وكن قوي الإيمان وتشجع على هذا العدو، وقل له: لن أعطيك الفرصة لتفسد علي لقائي مع ربي، قل هذا واشخط شخطة إيمان فإنك تحرقه، وإن عاد فعد، واعلم أن كيد الشيطان كان ضعيفا
إن كيد الشيطن كان ضعيفا
[النساء: 76]. فلا قدرة له عليك ما دمت في معية الله، وما دمت ذاكرا لله، عندك تنبه إيماني، وتنبه عقدي. وسبق أن حكينا قصة الإمام أبي حنيفة لما جاءه رجل يستفتيه ويقول: يا إمام، لقد كنت أخفيت مالا في مكان في الصحراء، وعلمته بحجر، فجاء السيل فطمسه حتى ضللت مكانه، فضحك الإمام وقال للرجل بما لديه من خبرة وتمرس وملكة في الفتيا: يا بنى ليس في هذا علم، لكني سأحتال لك، اذهب بعد أن تصلي العشاء، فتوضأ وضوءا جديدا بنية أن يهديك الله إلى ضالتك وصل لله ركعتين، ثم أخبرني ماذا حدث. فعل الرجل ما أوصاه به الإمام، فجاءه إبليس ليفسد عليه صلاته وقال له: إن المال في مكان كذا وكذا، فراح فوجد المال، ثم عاد إلى الإمام فأخبره فقال: والله لقد علمت أن الشيطان لا يدعك تتم ليلتك مع ربك. إذن: فثق بكلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقلها بقوة إيمان، أيقول الله قولة يأتي واقع الحياة من المؤمن به ليكذبها؟ وجربها أنت بنفسك. وقوله تعالى: ﴿ إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك.. ﴾ [سبأ: 21] ما دام أنه ليس لإبليس سلطان على بني آدم، وما دام أنهم على تشويرة منه، فلا بد أن إيمانهم غير راسخ، وأنهم نسوا حكما من أحكام الله لأنه سبحانه حذرهم منه ووصف لهم طريقة التغلب عليه فلم يفعلوا. فكانت غواية إبليس لهم ﴿ لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك.. ﴾ [سبأ: 21] أي: علم وقوع، وإلا فالحق سبحانه يعلم ما سيكون منهم أزلا، لكن لا بد أن يحدث منهم الفعل لتقوم الحجة عليهم كالمعلم الذى يرى على تلميذه علامات الفشل، فيحذره، فحين يدخل الامتحان ويرسب فيه يأتي يعاتب أستاذه أنه بشره بالرسوب فيقول المعلم: وهل أمسكت بيدك ومنعتك من الإجابة، لقد حكمت عليك من خلال المقدمات التي رأيتها منك. ومع ذلك كان من الممكن أن يغش هذا التلميذ في الامتحان وينجح رغم ما قاله المعلم لأن علمه علم ناقص، أما علم الحق سبحانه فعلم تام. إذن: فعلم الوقوع ألزم للحجة. ثم يقول سبحانه: ﴿ وربك على كل شيء حفيظ ﴾ [سبأ: 21] حفيظ صيغة مبالغة من الحفظ، فالله تعالى حفيظ على الكنوز وعلى الأرزاق وعلى العلم وعلى كل شيء، كما قال سبحانه: