تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نحن نرزقهم وإياكم

[الإسراء: 31]. لذلك قالوا: ليس كل ما تملك رزقا لك، إنما رزقك ما انتفعت به، فالشيء يكون في ملكك وفي حوزتك تظن أنه لك، ثم يضيع منك، أو يسرق أو يؤمم أو تصيبه جائحة.. إلخ بل أكثر من ذلك قد يكون طعاما وتأكله بالفعل، ويتمثل في جسمك دما يجري في عروقك، ثم يسيل منك بسبب جرح، أو عملية جراحية مثلا: إذن: هذا الدم ليس رزقا لك. فالمؤمن ينبغي أن يظمئن إذن إلى عملية الرزق، ويعلم أنها بقيومية الله التي ترزق المؤمن والكافر، وأن الرزق مقسوم لك، مسمى باسمك، فلا يأخذه غيرك مهما كان، فإن بسط لك فاحمد الله، وإن قتر وضيق عليك فاعلم أنها بحكمة الله، واقرأ:

وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم

[الحجر 21]. ثم تختم الآية بقوله تعالى: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [سبأ: 36] فالأكثرية لا يعلمون حكمة الله في تفاوت الأرزاق، وهذا يعني أن قلة منهم هم الذين يعلمون، فاللهم اجعلنا من هذه الأقلية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن... ﴾.

34.37

الكلام هنا موجه إلى الكفار الذين ظلموا بأموالهم وأولادهم، فمثل هذا المال، ومثل هؤلاء الأولاد لا يكونون أبدا زلفى، ولا قربى إلى الله، لكن إن استغل هذا في مرضاة الله وفي سبيل الله وفي أبواب الخير فهو من أعظم القربات. المال ينفق منه في نواحي الخير، والأولاد يربون التربية الصالحة ليكونوا أسوة خير في مجتمعهم، لذلك استثنى الله تعالى فقال: ﴿ إلا من آمن وعمل صالحا ﴾ [سبأ: 37] أى: فيما أعطاه الله من نعمة المال ومن نعمة الأولاد. ﴿ فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا ﴾ [سبأ: 37] وهكذا فتح الله الباب للنعمة، حين تستغل في مرضاة الله، فليس كل الأموال ولا كل الأولاد نعمة، فالمال قد يجر صاحبه إلى الهلاك، ويلقي به في النار، والأولاد الذين ظننت أنهم لك عزوة وقوة قد تنقلب هذه العزوة عليك. ورأينا كثيرا من الذين يبحثون عن هذه العزوة في الباطل، لكن يريد الله أن يذلهم بما فتنوا، يذهب الرجل مثلا فيخطب لولده بنت أحد الأعيان، أو الأغنياء، أو أحد أصحاب المناصب، ويفرح بهذا النسب ويفخر به، لكن أضمنت أنك سترضي هذه البنت؟ وأنك لن تختلف معها في يوم من الأيام لذلك كثيرا ما تنقلب هذه العزوة وهذا الجاه على صاحبنا، فيذله الله من حيث ظن هو العزة والكرامة. وقوله تعالى: ﴿ فأولئك لهم جزآء الضعف ﴾ [سبأ: 37] لا يأتي الضعف إلا في جزاء الحسنة، أما السيئة فلا تضاعف، إنما يكون الجزاء بمثلها، وهذا من رحمة الله تعالى بنا، وقال ﴿ الضعف ﴾ [سبأ: 37] ولم يقل الأضعاف لأن الضعف اسم جنس يصلح للقليل وللكثير، ومن ذلك قوله تعالى:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات

[العصر: 1-3] فاستثنى الذين وهي جمع من المفرد الإنسان لأنه اسم جنس. والضعف أي: مضاعفة الحسنة، أو مضاعفة الصدقة، ومن معاني الضعف أنك إذا وزنت الأصل الذي أنفقته وجدته ضعيفا بالنسبة لما أخذت عليه من الجزاء. وليست المضاعفة هي نهاية العطاء عند الله لأن الحديث النبوي الشريف أكمل هذه المسألة، فقال صلى الله عليه وسلم:

" الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ".

فالله تعالى يضاعف لمن يشاء على قدر النيات في العطاء والبذل، فواحد يعطي وفي نفسه أنه أعطى وبذل من ماله ومن جهده، وآخر يعطي ويؤمن أنه مجرد مناول عن الله، فالمال عنده مال الله، والعطاء من الله. ومن صور العطاء ما تعلمناه من السيدة فاطمة، فروي أن سيدنا رسول الله دخل عليها فوجدها تجلو درهما لها، فسألها رسول الله عنه فقالت: لأنني نويت أن أتصدق به، وأنا أعلم انه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير.

ثم إن المتصدق بمجرد أن يخرج الصدقة من يده تخرج قيمتها من قلبه، ولا يتتبعها، ولا تتعلق نفسه بها، أما حين يقرض قرضا، فإن نفسه لا تنساه وتتعلق به، وكلما تحركت نفسه لطلب القرض صبر عليه، فكان له الثواب على قرضه كلما صبر عليه. لذلك أثار المستشرقون ضجة حول مسألة الجزاء على الصدقة وعلى القرض، وادعوا تضارب الآية والحديث في هذه المسألة، ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٨٠