تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34.6

هنا تثبيت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأن ربه - عز وجل - يقول له: يا محمد لا تيأس من هؤلاء الذين سعوا في آياتنا معاجزين ولا تهتم، فإن الذي جعل من الكفرة من يسعون بالفساد ويعاجزون خالقهم جعل أيضا لك من ينصر دعوتك ويؤيدك من الذين يؤمنون بآيات الله، ويعلمون أنها الحق، وأن ما يقوله هؤلاء من الهراء، وهو الباطل. فكما أثبت لهم سعيا في الباطل ومعاجزة أثبت للمؤمنين العلم بآيات الله وتصديقها والاعتراف بأنها الحق، وطمأن رسول الله أن هؤلاء لن يفسدوا عليك أمرك، ولن يطفئوا نور الله، كما قال سبحانه:

يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله متم نوره ولو كره الكفرون

[الصف: 8]. وقال:

هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون

[التوبة: 33]. فقوله تعالى: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.. ﴾ [سبأ: 6] أي: يشهدون لك بأنك على الحق، وأنك جئتهم بمنهج هو الحق، ويهدي إلى صراط مستقيم. إذن: فضع هؤلاء قبالة الذين سعوا في آياتنا معاجزين، واعقد مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء. فالكفار الذين سعوا في آياتنا بالفساد مجردون عن معونة القدرة، بل إن القدرة ضدهم ولهم بالمرصاد، أما الذين أوتوا العلم وشهدوا لرسول الله، فهم مؤيدون للقدرة الإلهية، والقدرة معهم تساندهم، فأي الكفتين أرجح؟ ومعنى: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم ﴾ [سبأ: 6] الذين أوتول العلم من المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم الذين صدقوه وصدقوا معجزته ورسالته. أو: الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب اليهود أو النصارى، فالمنصفون منهم يعلمون صدق رسول الله، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وهم الذين ذهبوا إلى يثرب قبل بعثة رسول الله ينتظرون بعثته، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا يقولون: لقد أظل زمن نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم

فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به..

[البقرة: 89]. لذلك يقولون القرآن في جدال الكافرين:

ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل..

[الرعد: 43] أي: ردا عليهم

كفى بالله شهيدا بيني وبينكم..

[الرعد: 43] أي: الله الذي أرسلني بالمعجزة

ومن عنده علم الكتاب

[الرعد: 43] أي: من اليهود والنصارى، أهل التوراة والإنجيل. والعلم: هو كل قضية مجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، وغير ذلك لا يعتبر علما، فالقضية إن لم يكن مجزوما بها فلا تدخل في العلم، إنما هي في الشك، أو في الظن، أو في الوهم، فإن كانت القضية مجزوما بها، لكن ليس لها واقع، فهذا هو الجهل. لذلك سبق أن قلنا: ليس الجاهل هو الذي لا يعلم، إنما الجاهل الذي يعلم قضية منافية للواقع، أما الذي لا يعلم فهو الأمي خالي الذهن تماما لذلك يقبل منك ما تقول، على خلاف الجاهل الذي ينبغي عليك أن تثبت له خطأ قضيته أولا، ثم تقنعه بما تريد.

فإن كانت القضية مجزوما بها ولها واقع، لكن لا تستطيع أن تدلل عليها، فهي تقليد كالولد الذي نلقنه مثلا

قل هو الله أحد * الله الصمد

[الإخلاص: 1-2] فيحفظها كما هي، لكن لا يستطيع أن يقيم الدليل عليها، فهو إذن مقلد لمن يثق فيه وفي إخلاصه له، كأبيه أو معلمه، فإن وصل الولد إلى مرحلة يستطيع فيها أن يدلل على صدق هذه القضية فقد وصل إلى مرتبة العلم. والعلم وإن كان أنواعا كثيرة، إلا أنه يمكن حصره في العلم الشرعي والعلم الكوني: العلم الشرعي أو علم الشرع، ومصدره السماء يبلغه رسول بمعجزة، ولا دخل لأحد فيه، وليس للبشر في علم الشرع إلا النقل والرواية، والبلاغ من الرسول، وهذا العلم هو الذي يحدد لنا الحلال والحرام، وقد جاء العلم الشرعي لا ليتدخل في العلم الكوني، إنما جاء ليضبط الأهواء المختلفة لذلك يختلف الناس في هذا العلم. أما العلم الكوني فهو العلم الذي يبحث في أجناس الوجود كلها: في الجماد، وفي النبات، وفي الحيوان، وفي الإنسان، فهذا العلم يقوم على نشاط العقل، ولا يختلف الناس فيه لأنه مادى يعتمد على البحث والتجربة والملاحظة لذلك يتنافس فيه الناس، وربما سرقوه بعضهم من بعض. وبهذا العلم الكوني يرقي الإنسان حياته، فالخالق عز وجل أعطاك كل مقومات الحياة وضرورياتها، وعليك إن أردت رفاهية الحياة أن تعمل عقلك وفكرك في معطيات الكون من حولك لتكتشف ما لله تعالى في كونه من أسرار وآيات ترقي بها حياتك. ففي الماضي، كان الإنسان مثلا إذا أراد الماء يذهب إلى النهر أو إلى البئر، فإن عز عليه الماء طلب السقيا من الله، وتوجه إليه بالدعاء ولا شيء آخر، فلما تطورت الوسائل وتوصل الإنسان إلى خواص الماء واستطراقه من أعلى إلى أسفل، واستحدث الخزانات والمواسير، وصار يستقبل الماء في بيته بمجرد فتح صنبور المياه أصبح إذا انقطعت عنه المياه لا يقول: يا رب اسقنى. إنما يبحث عن سبب انقطاعها، أهو في ماسورة كسرت؟ أم أن الكهرباء انقطعت فعطلت موتور الرفع؟ أم أن محطة المياه تعطلت؟.. إلخ. إذن: كلما تقدمت الحضارة ووسائل المدنية بعدت الصلات بيننا وبين الله. وهذا العلم الكوني الذي يقوم على الفكر وإعمال العقل لا دخل للسماء فيه، ويستوي فيه المؤمن والكافر، فمن سعى إليه وأخذ بأسبابه أعطته الأسباب لذلك وجدنا معظم الاختراعات والاكتشافات جاء بها علماء كفرة لا يؤمنون بالله، كالكهرباء والتليفون والتلغراف وغيرها. فمعنى: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم.. ﴾ [سبأ: 6] أى: العلم الشرعي، وهم الذين آمنوا بك وصدقوك بالمعجزة على أنك رسول الله، وأن ما جئت به هو الحق { الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٤١