. } [سبأ: 11] يعني: اجعلها على قدر حاجتك، ولا تبالغ فيها. ثم يقول سبحانه: ﴿ واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير ﴾ [سبأ: 11] كأن الحق سبحانه يقول لنبيه داود: تذكر حين تعمل ما طلب منك أني بصير بعملك مطلع عليه، وهذه التذكرة لنبي مأمون على التصرف، فما بالك بنا نحن؟ إننا نلاحظ العامل يتقن عمله طالما يراه صاحب العمل، فإن غاب عنه أهمل العمل وغشه، فالله يحذرنا من هذه المسألة. هكذا ورد أمر سيدنا داود في هذا الموضع مختصرا، وإن كانت له قصص في مواضع أخرى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر... ﴾.
34.12
يعني: كما آتينا داود منا فضلا، وكان من هذا الفضل أن أوبت معه الجبال، وألنا له الحديد، كذلك كان من فضل الله على ولده سليمان أن طوعنا له الريح، وجعلناها تأتمر بأمره. وسبق أن بينا أن كلمة الريح إن وردت مفردة، فهي في الشر والعذاب، وإن جاءت جمعا دلت على الخير والرحمة، واقرأ قوله تعالى:
وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم
[الذاريات: 41-42] وقال:
بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم
[الأحقاف: 24]. وفي الرياح قال:
وأرسلنا الرياح لواقح..
[الحجر: 22]. وبيان ذلك، أن الريح إن كانت مفردة تعد ريحا مدمرة لأنها تأتي من ناحية واحدة، والذي يقيم الأشياء ويحفظ توازنها أن الرياح تحيط بها من كل جانب فتستقيم، فالذي يدعم ناطحات السحاب مثلا الهواء الذي يحيط بها، فإن أفرغت الهواء من ناحية منها انهارت نحو هذه الناحية لذلك كانت الريح الواحدة من جنس العذاب، والرياح من جنس الرحمة، ألا ترى الأعاصير تدمر لأنها تأتي من جهة واحدة؟ لكن، هل سخر الله تعالى لسليمان الرياح؟ أم سخر له الريح؟ قالوا: لم تسخر لسليمان الرياح كلها، إنما ريحا مخصوصة وظفها له وطوعها لأمره، وهذه الريح أعظت سليمان عليه السلام عزة ومنعة. بحيث لا يقوى أحد على مواجهته أو التصدي له. لذلك كان هو - عليه السلام - النبي والملك الذي لم يحاربه أحد، ولم يجرؤ أحد على منازعته ملكه ولا نبوته. كيف وفي يده من القوة ما لم يتوفر لغيره، فسلطانه سلطان قهر إن أراد شيئا أذعن الجميع لإرادته. أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت دعوته لاستمالة القلوب، لا لإرغام القوالب لذلك خاطبه ربه بقوله:
إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 4]. ومعنى: ﴿ غدوها شهر ورواحها شهر.. ﴾ [سبأ: 12] الغدو: السير أول النهار، والرواح: العودة آخر النهار ﴿ وأسلنا له عين القطر.. ﴾ [سبأ: 12] أى: أذبنا له النحاس، كما ألنا لأبيه الحديد، فهذه واحدة من الأفضال التي خص الله بها سيدنا سليمان، تذكرون قصة السد الذي بناه ذو القرنين، فلما انتهى من بنائه قال:
آتوني أفرغ عليه قطرا
[الكهف: 96] يعني: نحاسا مذابا، بحيث لا يستطيع أحد أن ينقبه. ثم يذكر الحق سبحانه أمرا آخر مما خص به سليمان عليه السلام: ﴿ ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه.. ﴾ [سبأ: 12] ومعنى ﴿ بإذن ربه.. ﴾ [سبأ: 12] أن المسألة كلها تسخير من الله لنبيه سليمان، وليس أمرا ذاتيا من عنده. لذلك قال: ﴿ ومن يزغ منهم عن أمرنا.. ﴾ [سبأ: 12] أي: يميل، أو ينحرف عنه، أو يعصاه ﴿ نذقه من عذاب السعير ﴾ [سبأ: 12] فأمر سليمان للجن من باطن أمر الله، ومن يعص أمره كأنه عصى أمرنا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان... ﴾.