وتلحظ أن الذين صادموا رسول الله في أول البعثة، والذين اتهموه بالكذب من أهله وأقرب للناس إليه، وعمه هو الذي قال له: تبا لك ألهذا جمعتنا؟ وهنا موطن حكمة وحجة في بعثة سيدنا رسول الله، جعلها الله ليعلم الناس أن مكانة قريش وسيادتها في الجزيرة العربية لم تكن هي التي صنعت رسالة محمد ليسودوا بها العالم، فأعدى أعدائه كانوا من قريش، ولم يجد رسول الله نصرة في مكة، إنما كانت نصرته في يثرب. لذلك سبق أن قلنا: إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، لا أن العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري... ﴾.
34.47
الأجر: هو الجعل مقابل عمل، وهذه العبارة قالها كل الرسل، فقد علمهم الله أن يقول الواحد منهم لقومه:
ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين
[الشعراء: 109] كأنه في طي هذا الأسلوب، أنه لو كان هناك تقييم منصف لكنت أستحق أجرا على رسالتي ودعوتي لأنني أجلب لكم بالهداية نفعا كبيرا لأنه ليس صفقة في هذه الدنيا الفانية، إنما نفعا باقيا في حياة خالدة باقية. لكن الواقع أنني لا آخذ أجري منكم، إنما آخذه من الله لأن العمل الذي أقوم به أكبر من أن تقوموه بثمن، والحق - سبحانه وتعالى - هو الذي يقوم عملي، وأنا واثق أنه سبحانه سيعطيني ﴿ إن أجري إلا على الله ﴾ [سبأ: 47]. ومعنى: ﴿ فهو لكم ﴾ [سبأ: 47] يعني: إن كنت أخذت منكم أجرا، فسوف أعمل لكم بهذا الأجر، أو سيعود جزاؤه عليكم. وسبق أن قلنا: إن كل الرسل قالوا هذه العبارة إلا رسولين اثنين لم تأت هذه العبارة في سياق كلامهما، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، مما يدل على أن هذه المسألة مبنية بحكمة كبيرة عالية، فلماذا إبراهيم وموسى بالذات من بين كل الرسل؟ قالوا: لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام أول ما واجه المخالفين واجههم في عمه، فلما صادمه عمه، ورفض دعوته اعتزله، واكتفى بأن يدعو له، وليس من المعقول أن ينتظر أجرا من عمه لذلك لم تأت في كلامه مسألة الأجر هذه. كذلك موسى - عليه السلام - كانت أول دعوته لفرعون، الذي قال له:
ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين
[الشعراء: 18] يعني: إن كان يستحق أجرا على دعوته لفرعون، فسوف يستحي أن يطلب منه الأجر، وقد تربى في بيته، وفي رعايته. وكلمة ﴿ قل ما سألتكم من أجر ﴾ [سبأ: 47] تحتمل معنيين: أنني أخذت أجرا وأعطيته لكم، أو أنا من الأصل لم أسألكم أجرا، ثم تختم الآية بقوله تعالى: ﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ [سبأ: 47] يعني شاهد علينا جميعا، ويعلم ما قاسيته في سبيل دعوتكم إلى الحق، ويعلم ما فعلتموه معي من عناد وتعنت، وهو سبحانه سيغلى أجري على قدر معاناتي وما تحملته في سبيل هدايتكم، والأخذ بأيديكم إلى ساحته. وإذا كان الإنسان إن عمل عملا لا بد أن يكون له حظ منه ومغنم ومنفعة، فرسول الله لم يسألكم حتى الأجر على العمل، فبأي شيء تتهمونه بعد ذلك؟ بعد ذلك أراد الحق سبحانه أن يوضح لنا أمرا يتعلق بالحق الذي جاء به رسول الله، فالكفار كانوا يعترضون على شخص رسول الله، بدليل قولهم:
أءنزل عليه الذكر من بيننا..
[ص: 8]، وقالوا:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. فهم يعترفون بالقرآن ويعلمون أنه ذكر، وأنه لا غبار عليه، المشكلة أنه نزل على هذا الرجل بالذات، ولم ينزل على واحد منهم من عظماء القوم لذلك أراد الحق سبحانه أن يقول إن إنزال مناهج الله للأرض لا بد أن تنزل على مصطفى يصطفيه الله، لا مصطفى يصطفيه الخلق، فلا معنى لقولهم:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. لذلك يرد الحق سبحانه عليهم بالحجة: