34.51
قوله تعالى: ﴿ ولو ترى ﴾ [سبأ: 51] أسلوب شرط ورد عدة مرات في القرآن الكريم، وتلحظ أن السياق لم يذكر له جوابا، واقرأ:
ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم
[سبأ: 31].
ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بآيت ربنا..
[الأنعام: 27]. فالجواب هنا محذوف لأنه معلوم من السياق، فالتقدير هنا: ولو ترى يا محمد إذ فزعوا يوم القيامة أرأيت شيئا عظيما وأمرا عجيبا يريح قلبك، وينتقم لك جزاء ما كذبوك وعاندوك، وقد ورد هذا المعنى أيضا في قوله تعالى:
هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
[المطففين: 36]. فالذين طغوا وتجبروا في الدنيا، وصادموا كلمة الحق، وكانوا عتاة وفراعنة تراهم في الآخرة حين يصيبهم فزعها بسابس قططا وأرانب. ومعنى ﴿ فلا فوت ﴾ [سبأ: 51] لا مهرب ولا نجاة لهم لأن الإنسان قد يفزع ويخاف من شيء، لكن يستطيع الهرب منه، أو ربما ينقذه أحد، أما هؤلاء فسوف يفزعون دون منقذ ودون مهرب ولا مفر، وهذا يشفي صدرك وصدور المؤمنين الذين أوذوا معك في سبيل نشر دعوة الحق. فكما وقفوا في وجه دعوة الله سيقفون يوم القيامة موقف الذلة والمهانة، وتأمل:
موقوفون عند ربهم
[سبأ: 31]
وقفوا على النار
[الأنعام: 27]
وقفوا على ربهم
[الأنعام: 30] يعني: ينتظرون أن يؤذن لهم ليروا ماذا سيقول شفعاؤهم الذين عبدوهم من دون الله، لكن يفاجأون بأن شفعاءهم وكبراءهم يسبقونهم إلى النار، ويتقدمونهم إلى العذاب كما تقدموهم في الضلال. لذلك يقول سبحانه:
ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا
[مريم: 69] وقال عن فرعون:
يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود
[هود: 98]. وهكذا ييئسهم الله من النجاة لأنهم كانوا ينتظرون هؤلاء الشفعاء وهؤلاء الرؤساء ليدافعوا عنهم، فإذا بهم يتقدمونهم إلى العذاب. وهذه الوقفات التي ذكرناها للكفار يوم القيامة، كل وقفة منها لها ذلة، وكل وقفة لها فزعة، وكل وقفة عذاب في حد ذاتها، وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: لو رأيت وقفاتهم وفزعهم لشفى غليلك، ولعلمت أننا استطعنا أن نجازيهم بما يستحقون. وسبق أن مثلنا لهذا الموقف بواحد فتوة أو فاقد يذل أهل بلده ويخيفهم، فالكل يخافه ويجامله ويتقي شره، وفي إحدى المرات قبضت عليه الشرطة وساقوه في السلاسل، فترى أهل البلدة فرحين يتغامزون به، ونسمع فعلا في مثل هذا الموقف من يقول لو شفت اللي حصل لفلان، والمعنى: رأيت أمرا عجيبا لا يتخيل في الذهن. ومعنى: ﴿ وأخذوا ﴾ [سبأ: 51] أهلكوا ﴿ من مكان قريب ﴾ [سبأ: 51] هو موقف القيامة ومكان الحساب، يعني: لم يترك لهم الحق سبحانه بحبوحة، إنما أخذهم من الحساب إلى النار. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش... ﴾.