34.3
هنا أيضا يحدثنا عن الساعة، ففي آخر الأحزاب
يسألك الناس عن الساعة..
[الأحزاب: 63] وهنا ينكرونها ﴿ وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة.. ﴾ [سبأ: 3] أي: القيامة. فلماذا ينكرونها؟ نعم ينكرونها لأنهم أسرفوا على أنفسهم، وتمادوا في غيهم، ولن تكون القيامة في صالحهم لذلك يهربون منها بالإنكار والتكذيب. حتى إخوان هؤلاء المكذبين ممن يحبون أن يستدركوا على كلام الله يقولون: إذا كان الله قد قدر كل شيء على العبد، فقدر الطاعة، وقدر المعصية، فلماذا يعذبه على المعصية؟ والمحلاحظ، أنه لم يقل أحد منهم في المقابل: ولماذا يثيبه على الطاعة؟ مما يدل على أن هذه الوقفة خاطئة وغير منطقية، وأنهم يخافون العقاب، وصاحب هذه المقولة ما قالها إلا لأنه واثق من كثرة سيئاته، ومن مصلحته أن يكذب بالقيامة وينكرها، كالذي قال:
ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا
[الكهف: 36]. فكثرة سؤالهم عن الساعة وإنكارهم لها يدل على خوفهم منها، بل هم مرعوبون من مجرد تصديقها لأنهم يعلمون جيدا أنهم إن استتروا عن الناس فلن يستتروا من الله، وإن عموا على قضاء الأرض فلن يعموا على قضاء السماء، ولن تنفعهم في القيامة حجة ولا لباقة منطق، ولا تزييف للحقائق. لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته فأقضى له، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ".
فالقاضي يحكم بالحجة وبالبيان، ويمكن للمتكلم أن يضلل القاضي، وأن يأخذ حق الآخرين ظلما، كما يفعل بعض المحامين الآن، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فأنت في محكمة قاضيها الحق سبحانه وتعالى. إذن: هؤلاء ينكرون القيامة لأنها اللغز الذي يحيرهم، والحقيقة التي تقض مضاجعهم وترعبهم، الحقيقة التي تزلزل جاههم، وتقضي على سيادتهم، وإن أمنوا في الدنيا لما لهم من جاه وسيطرة، ففي القيامة سيأتون كما قال تعالى
ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم..
[الأنعام: 94]. وكثرة سؤالهم عن الساعة له نظير في العالم الحديث وفي عالم الاقتصاد، فمثلا ترى الرجل كلما جلس مع عالم سأله عن رأي الدين في فوائد البنوك، حتى إنه ليسأل في ذلك ألف عالم، فلماذا لا يكتفي بقول واحد منهم؟ لأنه يريد أن يسمع رأيا على هواه يقول له: إن فوائد البنوك حلال، فهذه مسألة شائكة تشغل الكثيرين، لكن ما دامت قد حاكت في الصدر، فهي من الباطل الذي قال عنه سيدنا رسول الله:
" والإثم ما حاك في الصدر، وخشيت أن يطلع عليه الناس ".
ثم يرد الحق سبحانه على إنكارهم للساعة، فيقول مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل بلى وربي لتأتينكم.. ﴾ [سبأ: 3] يعني: قل بملء فيك بلى وبلى نفي للنفي السابق في قولهم ﴿ لا تأتينا الساعة.. ﴾ [سبأ: 3] وحين ننقض النفي، فإننا نثبت المقابل له، فمعنى بلى أي: أنها ستأتي. ثم لا يكتفي الأسلوب بذلك، إنما يؤكد هذه القضية بالقسم ﴿ قل بلى وربي لتأتينكم.. ﴾ [سبأ: 3] فالحق سبحانه يعلم رسوله أن يحلف بذاته سبحانه وهو مطمئن أنها ستأتيهم، والحق سبحانه لا يلقن رسوله يمينا كاذبا، والحق سبحانه صادق دون حلف، فما بالك حين يحلف لك؟ وقوله تعالى بعدها ﴿ عالم الغيب.. ﴾ [سبأ: 3] فيه إشارة إلى أننا لا نخبر بالساعة ولا نحلف على إتيانها من فراغ، إنما بما عندنا من علم الغيب، فهي لا بد آتية، ليس هذا فحسب، إنما سنوافيكم فيها بإحصاء كامل للذنوب، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وخفيها، فعالم الغيب لا يخفى عليه شيء مهما استتر، ومهما كنت بارعا في إخفائه عن الناس. ﴿ عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ﴾ [سبأ: 3] لا يعزب: لا يغيب عن علمه. والحق سبحانه في جمهرة الآيات يضرب المثل لصغر الأشياء بالذرة، وهي الهباءة التي نراها في شعاع الشمس، ولا نراها في الظل لصغر حجمها، إذن: كونك لا ترى الشيء لا يعني أنه غير موجود، بل موجود، لكن ليست لديك آلة البصر الدقيقة التي تستطيع رؤيته بها، والعين المجردة لا ترى كل الأشياء، لكن حزمة الضوء القوية تساعدك على رؤية الأشياء الدقيقة لذلك قالوا: إن الضوء والذر أحكم مقاييس الكون. لذلك يستخدم المهندسون هذه الظاهرة مثلا في استلام المباني، والتأكد من دقة تنفيذها، فالحائط الذي يبدو لك مستويا مستقيما لو تركته عدة أيام لكشف لك الغبار عما فيه من نتوءات وعدم استواء لأن الغبار والذرات تتساقط عموديا، كذلك الضوء حين تسلطه على حائط يكشف لك ما فيه من عيوب، مهما كانت دقيقة لا تراها بالعين المجردة. ولأن الذرة كانت أصغر ما يعرفه الإنسان، قال تعالى: