تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. } [سبأ: 6]. وكذلك الذين أوتوا العلم الكوني لهم دور في تصديق الرسل وتأييدهم بما أوتوا من العلم الكوني الذي يدل على الله، وإذا كان القرآن كتاب الله المقروء، فالكون بأجناسه المختلفة كتاب الله المشاهد المنظور. واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى:

ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها..

[فاطر: 27] هذا هو النبات

ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود

[فاطر: 27] وهذا هو الجماد

ومن الناس..

[فاطر: 28] الإنسان

والدوآب والأنعام..

[فاطر: 28] أي: الحيوان

مختلف ألوانه كذلك..

[فاطر: 28]. ثم يختم الحق سبحانه بقوله:

إنما يخشى الله من عباده العلماء..

[فاطر: 28] أي علماء؟ علماء الكون الذين يبحثون في أجناسه المختلفة وقوانينه العلمية والاجتماعية والصحية.. إلخ. وهؤلاء العلماء يخشون الله لأنهم يشاهدون أسراره في كونه، ويطلعون الناس عليها، فهم جند من جنود الدعوة إن آمنوا يؤيدون قدرة الله، بل ويستشهد علماء الشرع بكلامهم، ويظهرون قدرة الله في الكون من خلال نظرياتهم العلمية، إذن: للعلم الكوني مهمة كبرى في مجال الدعوة إلى الله. لكن، من الذي يرى من هؤلاء - علماء الشرع، أو علماء الكون - أن الذي جاء به محمد هو الحق؟ إن قلنا علماء الشرع فقد شهدوا لرسول الله وصدقوه، سواء من المؤمنين برسالته، أم من علماء أهل الكتاب، وإن قلنا علماء الكون فقد شهدوا هم أيضا لرسول الله وأيدوه بما لديهم من أسرار قدرة الله، والدليل أننا كنا نتحدث في قوله تعالى:

عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين

[سبأ: 3]. قلنا: إن الذرة هي الهباءة المتناهية في الصغر، والتي لا ترى بالعين المجردة إلا في شعاع الشمس، هذا هو كلام الحق سبحانه، فأعطنى من العلم الكوني ما يثبت هذا الكلام، وما يقنعني بأن الله تعالى يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه حتى الذرة في السماوات ولا في الأرض. نقول: من الذى خلق السماوات والأرض وما فيهن؟ لا أحد يستطيع أن يقول غير الله. كما قال سبحانه:

ولئن سألتهم..

[لقمان: 25] أي: الكفار

من خلق السموت والأرض ليقولن الله..

[لقمان: 25]، وقال تبارك وتعالى:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون

[الزخرف: 87]. لا أحد يجرؤ أن يقول غير هذا، مع أن الكفرة والملاحدة كثيرون، لكن لم يدع أحد أنه خلق شيئا، كيف والناس يقفون عند أتفه الأشياء، فيؤرخون لها ويخلدون اسم صانعها أو مخترعها، لو سألت تلميذ الابتدائية: من اكتشف الكهرباء؟ يقول لك. أديسون. من أول من صعد إلى القمر؟ يقول لك: كذا وكذا. فكيف نعرف هؤلاء ونصنع لهم التماثيل ونكرمهم، ولا نسأل أنفسنا: من خلق الشمس، من خلق القمر؟ من أجرى الهواء.

. إلخ، وهذه مقومات الحياة وأساسياتها، وليست ترفا كالأخرى. إذن: قضية الخلق هذه ساعة تعرض لا بد أن يتمثل لك قوله تعالى

فبهت الذي كفر..

[البقرة: 258] يعني: لا يملك إلا أن يقول: الله. تذكرون أننا قلنا: إذا قال الحق قولا، وقال البشر قولا يجب أن ينطمس قول البشر أمام قول الله لأن البشر حين يقننون يقننون حسب ما يرى من أحداث، ولا يحسب حسابا لما سيطرأ، وما يستجد لذلك تأتي قوانين البشر عاجزة قاصرة تحتاج دائما إلى تعديل. كذلك، في مسألة الإضاءة نرى البشر يضيء كل منهم بيته مثلا حسب إمكاناته وقدراته، فإذا جاء نور الله أطفئت كل الأنوار، ومن هذه المسألة نأخذ الدليل على مسألة الذرة التي نحاول أن نثبت علم الله لها من خلال العلم الكوني. فنحن الآن في المسجد، والمسجد مضاء، ونرى كل شيء، فهل ترون الآن غبارا في جو المسجد؟ لا، مع أننا في النور، لكن ماذا لو جلست بجوار شباك مثلا يدخل منه شعاع الشمس؟ لا شك أنك سترى هذا الغبار المتطاير في الجو. إذن: هذا الغبار لا تراه إلا في ضوء الشمس، فنور البشر لا يكشف الغيب، إنما يكشفه نور الله المتمثل في ضوء الشمس، فإذا كانت الشمس المخلوقة لله تعالى بينت لنا ما خفى عنا، أيعجز خالق الشمس سبحانه أن يعلم ما غاب عنا؟ هذه إذن رسالة العلم الكوني، أن يثبت لنا ما يؤيد الدعوة، وأن ما جاء به الرسول حق. مسألة أخرى توضح مكانة العلم الكوني ومنزلته في الدعوة، هذه المسألة نجدها في قوله تعالى عن عذاب الكفار يوم القيامة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٤٢