تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واتقوا الله ويعلمكم الله..

[البقرة: 282] يعني: يلهمكم ويرشدكم إلى الأشياء ولو بالمصادفة، وسبق أن قلنا: إن لكل سر في الكون ميلادا، إما أن يأتي نتيجة بحث الإنسان، فإن لم يبحث الإنسان فيه كشفه الله له ولو بالمصادفة، كما اكتشف الإنسان مثلا البنسلين. لذلك يقول سبحانه في العلم الكوني

الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموت وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء..

[البقرة: 255]. فمعنى ﴿ إلا بما شآء.. ﴾ [البقرة: 255] أي: يأذن سبحانه بميلاد هذا الشيء، فإن شاء سبحانه أعطاك علمه نتيجة بحثك وأنت تبحث وإن لم يكن هناك بحث أعطاك العلم مصادفة. أما العلم الذي استأثر الله به فهو غيب لا يحيط به أحد، كما قال سبحانه:

علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول..

[الجن: 26-27] هذا هو العلم الذي لا دخل لأحد فيه، أما العلم الكوني فله زمن، وله ميلاد يولد فيه. ونلحظ في أسلوب الآية أن المفعول الثانى للفعل يرى جاء على صورة الضمير المنفصل ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.. ﴾ [سبأ: 6] ولم يقل الحق فقط إنما ﴿ هو الحق.. ﴾ [سبأ: 6] وهذا الضمير المنفصل يعني أن غيره ليس حقا، فالحق هو الذي أنزل على رسول، وما عداه ليس حقا، وكأنها خاصية لم تعط إلا له صلى الله عليه وسلم. ومثلها قوله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم:

الذي خلقني فهو يهدين

[الشعراء: 78] فلم يقل: الذي خلقني يهديني لأنها تحتمل أن يهديك غيره، إنما

فهو يهدين

[الشعراء: 78] قصرت الهداية عليه سبحانه وتعالى، ومثلها

والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين

[الشعراء: 79-80] فقصر الإطعام والسقيا والشفاء على الله سبحانه وتعالى، لأنك قد تظن أن أباك هو الذي يطعمك ويسقيك، وهو مجرد سبب ومناول عن الله. وكذلك قد تظن أن الشفاء بيد الطبيب، وما الطبيب إلا معالج، والشفاء من الله، لكن تأمل حين تكلم سبحانه بعدها عن الموت والحياة، قال:

والذي يميتني ثم يحيين

[الشعراء: 81] ولم يأت بالضمير المنفصل هنا، لماذا؟ لأن الموت والحياة لم يدعها أحد غير الله، فليست مظنة المشاركة، والكلام هنا عن الموت لا عن القتل، وهناك فرق بينهما سبق أن أوضحناه. إذن: قوله تعالى: ﴿ هو الحق.. ﴾ [سبأ: 6] دلت على أن الحق واحد، هو ما أنزل الله، وما عداه باطل، ولا يجتمع حقان في مسألة واحدة، إلا إذا كانت الجهة منفكة كأن تقول مثلا: والله أنا ودعت فلانا اليوم في المطار وسافر إلى كذا، فيقول آخر: بل لم يسافر وأنا رأيته اليوم في بيته، وعندها يتهم كل واحد منكما الآخر بالكذب فأسرعت إلى التليفون واتصلت بهذا الرجل، فقال لك: نعم لم أسافر فقد طرأ لي طارىء، فرجعت من المطار.

إذن: فالخبران صادقان، لكن الجهة منفكة. والحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا ينكر، وكيف تنكر الحق وأنت حين تريد أن تؤيد نفسك في شيء تقول: هذا حقي يعني لي ولا ينازعني فيه أحد، فالدعوى التي تقيمها أن هذا حقك. والحق إلى جانب أنه أمر ثابت فهو ينفعك، فله إذن ميزتان أو حجتان: الأولى أنه الحق الثابت وغيره باطل، والأخرى أنه يعود عليك نفعه لذلك قال تعالى بعدها: ﴿ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ﴾ [سبأ: 6]، فإذا لم تقبل الحق لذاته وتتعصب له، فاقبله لما يعود عليك من نفعه، فهذان الأمران هما من حيثيات التمسك بالحق. ومعنى ﴿ العزيز.. ﴾ [سبأ: 6] هو الذي لا يغلب ولا يقهر، ومنه قولنا: عز على كذا يعني: لم أقدر عليه، وفلان عزيز يعني لا يقهره أحد، فصفة العزة صفة ترهيب، فحين تعرض عن هذا الحق فاعلم أنك تعصي عزيزا لا يقهر، يغلب ولا يغلب. ثم يتبعها سبحانه بصفة من صفات الترغيب ﴿ الحميد ﴾ [سبأ: 6] بمعنى المحمود على ما يعطى من النعم، فهي ترغبك في المزيد من نعم الله. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٤٤