تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34.46

بعد أن أعطاهم الحق سبحانه درسا وعبرة بمن سبقهم من المكذبين يعود ليخاطبهم من جديد، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل ﴾ يعني: لهم ﴿ إنمآ أعظكم بواحدة ﴾ [سبأ: 46] الوعظ ليس إنشاء حكم، إنما هو تذكير بحكم سبق ونسيه الناس، فالواعظ يبين للناس أمورا يعرفونها ويؤمنون بها من الدين، لكم أنستهم الشهوات والغفلة هذه الأمور، فهو مذكر بها، والعظة لا تكون إلا من محب لك حريص على مصلحتك. لذلك فالحق - تبارك وتعالى - يعطينا نموذجا للوعظ في قصة لقمان حين يعظ ولده:

وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يبني لا تشرك بالله..

[لقمان: 13]. ومعنى ﴿ بواحدة ﴾ [سبأ: 46] يعني: موعظة واحدة فيها كل الآحاد، واستخدم السياق ﴿ إنمآ ﴾ [سبأ: 46] الدالة على القصر يعني: لا أعظكم إلا بواحدة، ما هي؟ ﴿ أن تقوموا لله ﴾ [سبأ: 46] يعني: إياك أن تقوم لشهوة نفسك، أو لسيادة تحافظ عليها، إياك أن تقوم وأنت تريد الاستعلاء على هذا النبي، إنما يكون قيامك لله، يعني: تتجرد عن هواك، وتتجرد عن شهواتك وعن تعصبك. وما دمت تتودد إليهم أن يقوموا لله فلا بد أن لله تعالى مكانة في قلوبهم، وهو سبحانه في بالهم بدليل:

ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله قل الحمد لله

[لقمان: 25].

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله

[الزخرف: 87]. إذن: كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالقهم، وهو خالق السماوات والأرض لأن هذه المسألة من الوضوح بحيث لا ينكرها منكر، مهما بلغ من الكفر والإلحاد، لماذا؟ لأن مسألة الخلق لم يدعها أحد لنفسه لأن الدعوى إنما تكون عند وقوع ليس بباطل يمكن أن يكون له رواج، لكن هذه المسألة واضحة، لا لبس فيها، ومهما بحثوا فلن يجدوا خالقا لهم وللكون من حولهم إلا الله لذلك يجادلهم بالمنطق في هذه المسألة فيقول: أنتم أمام أمرين: إما إنكم خلقتم هذا الخلق، أو أنكم خلقتم من غير خالق. فالأولى مردودة لأن أحدا لم يدع الخلق، والأخرى مردودة لأن أتفه من السماء والأرض، وأتفه من الإنسان لا بد له من صانع يصنعه، فالحذاء الذي تلبسه في قدميك، أليس له صانع؟ إذن: السماء والأرض والإنسان لا بد أن لهم صانعا على قدر عظمهم، وكيف ينكرون هذه المسألة وهم يعترفون بعضهم لبعض بأبسط الأمور، ويعرفون صاحبها ويفخرون به، ففلان كان يئد البنات، وفلان كان عنده جفنة طعام يأكل منها كذا وكذا من الضيفان، وفلان كان أشجع العرب.. إلخ وكثر في شعرهم قولهم: أنا ابن فلان، وأنا ابن فلان. إذن: مسألة الخلق هذه لا يجرؤ أحد منهم على أن ينكرها، وما داموا يعترفون لله تعالى بالخلق، فعليهم أن يقوموا لهذا الإله الذي أقروا له بالخلق، وأن يخلصوا في قيامهم له، فلا يكون في بالهم أحد سواه، وعندها ثقوا تماما أنكم ستصلون بهذا القيام إلى الحق لأنه لا يضبب الحق في عقول الباحثين فيه إلا هوى النفس، كما قاله سبحانه:

ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت والأرض

[المؤمنون: 71]. والقيام المراد هنا لا يشترط فيه الجماعة ولا الجماهيرية لأنه قيام للتفكر، فينبغي أن يكون ﴿ مثنى وفرادى.. ﴾ [سبأ: 46] مثنى: يعنى: اثنين اثنين، وفرادى: واحدا واحدا. بحيث يختلي كل مع نفسه ليفكر في أمر محمد بواقعية وتجرد: كيف كان بينكم، وكيف كانت سيرته وأخلاقه، وهل جربتم عليه كذبا، أو سحرا، أو كهانة؟ وهل سبق له أن ادعى ما ليس له؟ هل رأيتم عليه قبل بعثته علامة من علامات الجنون؟ ﴿ ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ﴾ [سبأ: 46]. وهذا التفكر في حال رسول الله يحتاج إلى موضوعية لذلك اختار أن ينفردوا به، إما مثنى مثنى، وإما فرادى، فالإنسان حين يكون بمفرده، فلا يوجد له نظير ينهزم أمامه، ولا نظير يهيجه على غير الحق، فرأيه في هذه الحالة يكون أقرب للصواب. والمنفرد إن تفكر وصل إلى الحق لأنه لن يغش نفسه، ولن يخدعها، ولن يستكبر أن يعود للحق، إما أن كانوا جماعة فلا بد أن يحاول كل منهم أن يثبت حجته، ولو اضطر للكذب وللخداع كما نراهم في مثل هذه المواقف، كل يحلف أنه على الحق وغيره على الباطل. فكأن الحق بهذه الطريقة في التفكير يحمينا ويعصمنا من غوغائية الجماهيرية في الحكم، هذه الغوغائية التي نشاهدها مثلا في المظاهرات، حيث يهتف كل بما يريد، فتختلط الأصوات، وتتداخل الهتافات، فلا تستطيع أن تميزها. لذلك لما تكلم شوقي رحمه الله عن موقعة اكتيوم بين كليوباترا وخصومها وقد هزمت فيها، إلا أن أبواقهم صورت الهزيمة على أنها نصر، وأخذت الجماهير الغوغائية تردد ما يقولون، فقال شوقي:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٨٨