تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34.34

نلحظ في هذه الآية أنها ذكرت النذارة، ولم تذكر البشارة، لماذا؟ قالوا: لأن الحديث عن قرية استشرى فيها الفساد بحيث لم يعد لها إلا النذارة، فهؤلاء قوم كذبوا الرسل، ووقفوا من الدعوة موقف العداء والمكابرة. أما البشارة فتكون في عموم الدعوة، والحديث هنا عن دعوة خاصة بهؤلاء المكذبين. ومعنى ﴿ في قرية ﴾ [سبأ: 34] أي: في أهل قرية، والقرية اسم للمكان، أو أن الله سبحانه جاء بالمكان وإن كان يريد المكين لأن المكان كجماد مسبح لله، فيفرح بالمؤمن المسبح فيه، ويحزن ويضيق بالكافر الذي يقيم فيه لذلك يقول العربي القديم فلان نبا به المكان يعني: المكان كرهه، ولما قالوا لرجل حكيم: أدريت أن فلانا باع أرضه؟ قال: بل باعته أرضه. وقوله ﴿ إلا قال مترفوهآ ﴾ [سبأ: 34] جمع مترف وترف يترف أي: تنعم. أما أترف فتعني أن النعمة أطغته وفتنته، فالحق سبحانه لم يمنع عبده أن يتمتع بنعمه، المهم ألا تطغيه النعمة. وقد يكون الترف والتنعم استدراجا من الله للعبد، وإملاء له، ومدا له في النعمة حتى يطغى بها، وتأمل مثلا قول الله تعالى:

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم

[الأنعام: 44] ولم يقل لهم يعني ليس هذا الفتح في صالحهم مع أنه في ظاهرة نعمة

أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا

[الأنعام: 44] وتعودوا النعمة وألفوها

أخذناهم بغتة..

[الأنعام: 44]. لذلك، ليس من الصواب قولك لأخيك: فتح الله عليم والصواب: فتح الله لك. واقرأ:

إنا فتحنا لك فتحا مبينا

[الفتح: 1]

ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها..

[فاطر: 2] وحكوا لنا عن سياسي كبير كان له خصم، ففوجئوا بأنه أصدر قرارا بترقية هذا الخصم إلى منصب كبير، فتعجبوا: كيف يرقى خصمه؟ فقال: أرفعه إلى منزلة عالية، حتى إذا سقط منها كان السقوط مؤلما، وسبق أن قلنا: إذا أردت أن توقع عدوك لا توقعه من فوق الحصيرة مثلا. ومن الاستدراج بالنعمة والترف قوله تعالى:

وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا

[الإسراء: 16]. البعض يخطىء فهم هذه الآية، فيقول:

أمرنا مترفيها ففسقوا فيها

[الإسراء: 16] أن الفسق مترتب على الأمر. والله سبحانه لا يأمر بالفسق، ولا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر بالطاعة والعبادة، كما قال سبحانه:

ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله..

[البينة: 5] وقال:

إن الله يأمر بالعدل والإحسان..

[النحل: 90] فالمعنى: أمرنا مترفيها بما يأمر الله به، فما كان منهم إلا أن فسقوا فيها أي: فسقوا في الأمر، إذن: الفسق ليس مترتبا على الأمر، وإنما على مخالفة الأمر. الحق - سبحانه وتعالى - حين يعرض قضية الترف والإتراف يقول: أنا أنعمت على عبادي نعما يتنعمون بها، إنما كنت أريد أن يستقبلوا هذه النعم بالشكر، وأن يعدوا النعمة إلى غير المنعمين ليحصل في المجتمع المسلم التكافل الاجتماعي المطلوب، ولينزع هذا التكافل الغل والحقد من قلوب الفقراء على الأغنياء.

فالفقير إذا رأى الغنى ينتفع بآثار النعمة، ويتمتع بها دونه، يحقد عليه، ويتمنى زوال نعمته، فإن نال منها شيء أحب الغنى، وسأل الله له المزيد، هذا من ناحية الفقير. أما من ناحية الغني، فالحق سبحانه يعلم أن الإنسان عامة مطبوع على النفعية لذاته وحب الخير لها لذلك عامله الحق سبحانه بهذا المنطق، منطق النفعية حين يعطيه جزاء ما أنفق، ويثيبه على ما يفعل من الخير، قال له: الحسنة بعشر أمثالها، غض طرفك عن المحارم في الدنيا أمتعك بالحور العين يوم القيامة.. الخ. لذلك يقولون: إن التدين نفعية عالية، فأنت مثلا ما آثرت الفقير على نفسك، وما أعطيته ما في جيبك إلا لأنك تريد من الله تعالى أضعاف ما أعطيت. إذن: أنت حتى في تجارتك مع الله تحب النفع لنفسك. والحق سبحانه يعطي الغني وصاحب الهمة العالية الذي يكدح ويتعب ويكون الثروة، يعطيه حقه، ويحترم جهده وعرقه، ويحترم مشاعره النفعية، فحين يسأله يسأله جزءا من ماله، لا ماله كله، واقرأ قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٧٦