34.23
قال العلماء: يشترط للشفاعة شرط في المشفوع له أن يكون من أهل التوحيد، وشرط في الشافع أن يؤذن له بالشفاعة، كما قال تعالى:
من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه..
[البقرة: 255] فلا يقوم الشافع فيشفع مباشرة، إنما ينتظر أن يؤذن له بها، وهنا يضطرب المشفوع له ويفزع، ويكون قلقا، يا ترى أيؤذن للشافع؟ أم ترد شفاعته؟ لذلك يقول تعالى: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم.. ﴾ [سبأ: 23] يعني: أزيل عنها الفزع. فالتضعيف في فزع أفاد إزالة الحدث المأخوذ منه الفعل، كما نقول مرضه يعني: أزال مرضه و قشر البرتقالة يعني: أزال قشرتها... إلخ. ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق.. ﴾ [سبأ: 23] أي: قال القول الحق، وأذن بالشفاعة لمن ارتضى. وقال تعالى: ﴿ ولا تنفع الشفاعة.. ﴾ [سبأ: 23] ولم يقل تقبل الشفاعة لأن هدف الشافع أن تنفع الشفاعة المشفوع له، فإذا ما ذهب ليشفع له قال له المشفوع عنده: أنا لا أرضى أن تشفع للمشفوع له، فالذي انتفى نفع الشفاعة لا قبولها، ففرق بين أن توجد الشفاعة، وبين أن تنفع الشفاعة. وفي سورة البقرة آيتان في الشفاعة صدرهما واحد، لكن العجز مختلف، ففي الأولى:
واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون
[البقرة: 48]. والأخرى:
واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون
[البقرة: 123]. وهاتان الآيتان من المواضع التي وقف أمامها المستشرقون، وظنوا فيها مأخذا على كلام الله، فالمعنى واحد حتى اللفظ هو هو، لكن في الأولى قدم
ولا يقبل منها شفعة..
[البقرة: 48] وفي الأخرى قدم
ولا يقبل منها عدل..
[البقرة: 123] وفي الأولى قال
ولا يؤخذ منها عدل
[البقرة: 48]. وهذا الاعتراض منهم نتيجة عدم الفهم عن الله، فالآيتان تتحدثان في الشفاعة عن نفسين. الأولى: النفس الشافعة. والأخرى: النفس المشفوع لها، الشافع له موقف مع الله، والمشفوع له، له موقف قبل ذلك لأنه لم يأت بالشافع إلا لأنه لم يقدر على إنهاء المسألة بنفسه، فالضمير يعود في الآية الأولى على الشافع، وفي الأخرى على المشفوع له، كيف؟ المعنى هنا: لا تجزي نفس شافعة عن نفس مشفوع لها، النفس الشافعة هي التي يقبل منها الشفاعة، والنفس المشفوع لها هي التي تنفعها الشفاعة، إذن: الآية الأولى تخص الشافع لأنه يذهب ليشفع فلا يقبل منه، فيعرض أن يدفع هو العدل، ويكون كفيلا فيما على المشفوع له، فلا يقبل منه أيضا. أما الآية الأخرى فهي في المشفوع له لأنه يعرض أن يدفع ما عليه أولا فلا يقبل منه عدل، فيبحث عمن يشفع له.
وسميت شفاعة لأن الشفع يقابل الوتر، وصاحب الحاجة الذي يطلب الشفاعة واحد، فإذا انضم إليه الشافع، فهما اثنان يعني: شفع. ثم يقول سبحانه في ختام الآية: ﴿ وهو العلي الكبير ﴾ [سبأ: 23] علي أن يناقش في أي قرار يتخذه، وكبير يعني أكبر من الشافع، وأكبر من المشفوع له. فالحق سبحانه قال الحق ونطق به، وهذا يعني أنه وقف بجانب الحق، فلم يعبأ بشافع مهما كانت منزلته، ولا بمشفوع له مهما كانت ذلته ورقته لأنه سبحانه هو العلي الكبير. وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى مناقشة المسألة مناقشة عقلية، فيقول: ﴿ قل من يرزقكم من السموت والأرض قل الله... ﴾.