تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم

[الحجر: 21] وما دام الله تعالى هو الحفيظ، فلا أحد يستطيع أن يخل بهذه القضية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله... ﴾.

34.22

ينتقل الحق سبحانه إلى قضية عامة، هي قضية هؤلاء القوم الذين يعبدون غير الله ويجادلهم، ليظهر لهم فساد مسلكهم وبطلان عبادتهم دون الله، وقد رد هؤلاء فقالوا:

ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..

[الزمر: 3]. ونقول أولا: ما هي العبادة؟ العبادة أن يطيع العابد أمر معبوده ونهيه، فإذا كان الكفار يعبدون الشمس أو القمر أو الأصنام... إلخ بماذا أمرتهم هذه الآلهة؟ وعن أي شيء نهتهم؟ ماذا أعدت هذه الآلهة لمن عبدها من الثواب؟ وماذا أعدت لمن كفر بها من عقاب؟ إذن: أنتم كاذبون في كلمة نعبدهم، وإذا كنتم تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زلفى، فلماذا لا تتوجهون بالعبادة إلى الله مباشرة؟ فكيف تعبدون آلهة بلا منهج ولا عمل لها فيمن عبدها، ولا عمل لها فيمن كفر بعبادتها؟ وهذه المخلوقات التي يعبدونها من دون الله مخلوقة لله مسخرة له سبحانه مسبحة، وهي بريئة من هذا الشرك ولا ترضاه، بل هي أعبد لله منهم لذلك نطقت الأحجار على لسان هذا الشاعر. وقالت:

عبدونا ونحن أعبد لله

من القائمين في الأسحار

تخذوا صمتنا علين دليلا

فغدونا لهم وقود النار

قد تجنوا جهلا كما قد

تجنوه على ابن مريم والجوارى

للمغالى جزاؤه والمغالى

فيه تنجيه رحمة الغفار

فالحق سبحانه يناقشهم في هذه المسألة: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله.. ﴾ [سبأ: 22] ادعوا هذه الآلهة المدعاة، لكنهم لم يدعوا، لعلمهم أن آلهتهم المزعومة لن تجيب لذلك أكمل الله لهم وأظهر لهم النتيجة: لو دعوتم هذه الآلهة، فإنهم ﴿ لا يملكون مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض.. ﴾ [سبأ: 22]. فعلام إذن تعبدونهم، وهم لا يملكون شيئا، ولم يصنعوا لكم معروفا، ولا قدموا لكم خدمة ﴿ وما لهم فيهما.. ﴾ [سبأ: 22] أي: في السماوات والأرض ﴿ من شرك.. ﴾ [سبأ: 22] يعني: مع الله، أي ليس لهم مع الله شركة في مسألة الخلق ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ [سبأ: 22] يعني: لم يعاونوا الله حين خلق السماوات والأرض، والظهير هو المعين القوي، ومنه قول الحق سبحانه وتعالى:

والملائكة بعد ذلك ظهير

[التحريم: 4]. والظهير من الظهر، وهو أقوى الأعضاء في الحمل، وفي الدفع، فالظهير: الذي يعاونك ويساندك بكل قوته. والذين يدعون من دون الله آلهة يحاجون بأشياء متعددة أولا: الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وجعله خليفة له في الأرض، وخلق له مقومات حياته قبل أن يخلقه، وتركه يرتع في نعمه ولم يكلفه بشيء حتى سن البلوغ والنضج ويبلغ الإنسان سن النضج حين يصبح قادرا على إنجاب مثله. وسبق أن مثلنا ذلك بالثمرة، فهي لا تنضج، ولا يحلو طعمها في مذاق الإنسان، إلا إذا استوت بذرتها، بحيث إذا زرعت أنبتت مثلها، وهذا من لطف الله بنا، وإلا لو حلت الثمرة قبل نضج بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة، وانقطع نوعها بعد ذلك.

ويشاء الخالق سبحانه أن يجعل للتكاثر النسلي في الإنسان تكاثرا نسليا أعظم منه في الخيرات بما يمثل احتياطا واسعا يؤمن حاجة الإنسان، فحبة البطيخ الواحدة تنتج شجرة بها عدة ثمار، بها مئات البذور لأننا نزرع بعضها ونتسلى بقزقزة الكثير منها. والحق سبحانه أخذ علينا ميثاق الذر، والبشر جميعا في ظهر آدم عليه السلام، وأشهدهم على أنفسهم قبل أن تتأتى لهم شهوات النفس المعارضة لمنهج الله

ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم..

[الأعراف: 172-173]. وهذا العهد فطري في النفس الإنسانية، وما جاءت الأديان إلا لتنفض عن هذه الفطرة غبار الغفلة وغبار الشهوات لذلك لم يأت الرسل لتأسيس دين، إنما للتذكير بهذا العهد القديم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٦٤