34.15
ينقلنا الحق - تبارك وتعالى - من قصة سليمان عليه السلام إلى أهل سبأ، فما العلاقة بينهما؟ المتأمل في سور القرآن وآياته يجد بينها ترابطا وانسجاما، والمناسبة هنا أن سيدنا سليمان كانت له أبرز قصة في الإيمانيات والعقائد مع بلقيس ملكة سبأ، فبينهما إذن علاقة، وهذه النقلة لها مناسبتها. وقصة سليمان والهدهد وبلقيس قصة مشهورة، وبها دلالات إيمانية عظيمة في العقيدة، وفي بيان أن الحيوان عنده دراية بالعقيدة، وبأسرار الله في كونه. و سبأ علم على رجل اسمه عمرو بن عامر، ويلقبونه بمزيقباء وأبوه ماء السماء وقد سأل كرة بين نسيك رضي الله عنه سيدنا رسول الله عن سبأ فقال: كذا وكذا... وكان له عشرة أولاد هم: أزد، وكندة، ومذحج، وأشعريون، وأنمار، وغسان، وعاملة، ولخم، وجذام، وخثعم. وقد كون كل واحد منهم قبيلة كبيرة. ستة من هؤلاء ذهبوا إلى اليمن، وأربعة ذهبوا إلى الشام، الذين ذهبوا إلى اليمن عاشوا في خيرها الوفير، فيروى أن بلقيس لما رأت ماء المطر يسيح في الوديان وتتشربه الأرض، فلا يستفيدون به، فكرت في بناء سد بين جبلين يحجز ماء المطر، وجعلت به عيونا كالتي عندنا في القناطر الخيرية مثلا، تفتح عند الحاجة وتعطي الماء بقدر لذلك زاد الخير والنماء في اليمن، حتى سميت اليمن الخصيب واليمن السعيد. إلا أن عرافة عندهم أو امرأة حكيمة ذات رأي قالت لسبأ هذا: إن السد سيخرب ويغرق ماؤه اليمن فاخرج منها، وفعلا خرج سبأ إلى الحجاز والشام، حيث ذهب الغساسنة إلى الشام، والمناذرة إلى العراق، وأنمار إلى المدينة، وأزد إلى عمان في الأردن. واسم سبأ بعد أن كان علما على شخص تعدى إلى أن صار اسما لقبيلة، ثم اسما للمكان الذي يسكنونه. وقوله تعالى: ﴿ لقد كان لسبإ في مسكنهم.. ﴾ [سبأ: 15] أي: المكان الذي يسكنونه، والمكان الذي يعيش فيه الإنسان يسمى سكن أو بيت أو منزل، ولكل منها معنى. والسكن هو المكان الذي يتخذه الإنسان ليسكن إليه وليطمئن فيه، ويرتاح من حركة الحياة والعمل، والإنسان لا يسكن إلا في مكان تتوفر فيه مقومات الحياة والأمن. لذلك فإن سيدنا إبراهيم عليه السلام لما وضع زوجته وولده عند البيت دعا ربه:
ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم..
[إبراهيم: 37]. فقد كان هذا المكان جدبا لا زرع فيه ولا ماء، ولا مقوم من مقومات الحياة إلا الهواء ومعنى
أسكنت..
[إبراهيم: 37] أي: وطنتهم في هذا المكان. أما المنزل فهو المكان تنزل فيه مرة أو عدة مرات، ثم ترحل عنه لا تقيم فيه إقامة دائمة، فهو كالاستراحات التي تجعل للطوارئ، ولا يقيم فيها أهلها إلا عدة أيام في السنة كلها.
ومن ذلك ما
" روى أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببدر سأله الصحابي الجليل الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله؟ أن هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " قال: إذن لا أراه لك بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نعور نفسد ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أشرت بالرأي ".
إذن: السكن فيه دوام واستقرار، أما المنزل فهو استراحة، إن شئت نزلت به، وإن شئت رحلت عنه. أما البيت فيلاحظ فيه البيتوتة، والإنسان لا ينام نوما مريحا إلا في مكان يأمن فيه على نفسه وعلى ماله، فإن الخائف وكذلك الجوعان لا ينام. ومن السكن قوله تعالى في بني إسرائيل:
وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا
[الإسراء: 104]. أخذ أحد المستشرقين هذه الآية، وجعلها دليلا على أن الأرض كلها مباحة لليهود، كيف وهم في الأرض، وأنت حين تريد هذا الأمر تقول: اسكن القاهرة، اسكن طنطا مثلا، فتعين لي مكانا، لكن ﴿ اسكنوا الأرض ﴾ [الإسراء: 104] لها معنى آخر، هو التقطيع الذي قال الله عنه: